مضى يوم الجمعة الخامس عشر من إبريل 2016م حيث حددته إحدى وكالات الإعلام الفلسطينية كنقطة فارقة في تاريخ مواطني قطاع غزة، وهو تاريخ “وفق تلك الوكالة” سيكون له ما بعده، فثلاثة من مدن القطاع الساحلي ستغمرها المياه، وأضرار كبيرة سيخلفها “تسونامي” قادم من البحر بكل غضب لمواجهة عدوه المفترض “سكان قطاع غزة”.
لا ضير أن تذهب تلك الوكالة في التهويل والتضخيم وادعاء علم الغيب وأية قضايا أخرى، فهي تُدرك بأنها بعيدة عن المحاسبة من قبل المسئولين في قطاع غزة، بل إنها ستزيد من انتشارها في القطاع المحاصر إن طالبتها السُلطات بتوضيحات عما تقوم بنشره، وهذا بكل تأكيد من خلال ادعائها بالملاحقة والتضييق من قبل المسئولين في غزة، حيث ستكون تهمتهم محاربة “حرية الرأي والتعبير” و “منع الصحافة من العمل بحرية”!!.1
على مدار أكثر من أسبوع سيطرت حالة من التوتر والإرباك لساحة قطاع غزة الغارقة في مشاكل الحصار والكهرباء وإغلاق المعابر وتهديدات الاحتلال الإسرائيلي، وغيرها من الأزمات التي ما إن يتم تجاوز بعضها لأيام حتى نسقط في وحل الأخرى.
فعلى مدار الساعة استنفرت وزارة الداخلية الفلسطينية “غير المُعترف بها من حكومة التوافق الوطني أصلاً” طواقمها ونشرت الآلاف من عناصرها في غزة لضبط الحالة الأمنية، خاصةً وأن العديد من العائلات الفلسطينية غادرت وإن كان بصمت بيوتها المحاذية لشواطئ البحر بعدما “صدقت كذب ودجل تلك الوكالة”، بل واشتعلت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي حديثاً عن تسونامي غزة وآثاره ونتائجه وغيرها من القضايا المرتبطة بقضية غيبية أصلاً لا يعلم بتوقيت حدوثها أحدٌ إلا الله.
لم تكترث تلك الوكالة بمعاناة المواطنين الذين لم تستقر أعصابهم بعد نتيجة العدوان الإسرائيلي الذي استهدفهم في غزة عام 2014م، فمضت في حالة التضخيم والتوتير والتخويف للمجتمع الفلسطيني في غياب لشرف المهنة وأمانة العمل الصحفي والإعلامي.
وبعد أن مضى ذلك اليوم بشكل طبيعي وكذبت الحقائق ادعاءات تلك الوكالة من العار أن يمر ذلك الحدث مرور الكرام، فالآثار والتكاليف التي تحملتها الأجهزة الفلسطينية المختلفة والمواطنين يجب أن تدفعها تلك الوكالة، وهذا يجب أن يتم داخل أروقة القضاء الفلسطيني، وإن لم يتم اتخاذ أي إجراء عقابي بحق تلك الوكالة على كذبها ودجلها فعلينا أن نستعد لاستقبال العشرات من أمواج الحرب النفسية التي ستقوم بها بعض وسائل الفلسطينية المُنفلتة من عقالها والمرتبطة بأجندة خارجية تبحث عن تدمير الساحة الفلسطينية.
إن هذه الوكالة لو كانت في أي بقعةٍ غير قطاع غزة لتم إغلاقها منذ نشر هذه البيانات غير الدقيقة نتيجة أثرها السلبي للغاية على نفسية الجمهور، وهذا غالباً ما تقوم به السلطات التي تبحث باستمرار عن استمرار شعوبها. لكن في حالة غزة يبدو أن المسئولين يخشون التحرك قانونياً ضد أي وسيلة إعلام ترتكب جرائم بحق المواطنين خشية من اتهامها بـ” القضاء على حرية الرأي والتعبير”!!.
إن حرية الرأي والتعبير يجب أن يتم تعزيزها بمختلف الوسائل وشتى الأشكال، وهذا لا يعني بأن تكون حريةً بلا ثمن أو مقابل، فما دامت وسائل الإعلام تقاتل لتعزيز حرية التعبير والرأي لها، فيجب عليها كذلك أن تلتزم بالمسئولية الاجتماعية تجاه المجتمع الذي تعمل فيه، وبذلك تتساوى كفتي الميزان، أما ترك وسائل الإعلام تتحدث وتفعل كل ما تشاء دون رقابة ومحاسبة حينما يتعرض السلم المجتمعي للخطر الشديد، فهذا يمثل قمة التنصل من شرف مهنة قد غاب عن ساحة الكثير من صحفيينا ووسائلنا الإعلامية بفعل المعالجة الخاطئة من قبل المسئولين في غزة، والتي غالباً ما تنتهي فيها القضايا بخواطر تنظيمية أو عائلية على حساب مصالح المواطنين.


