الثلاثاء 06 يناير 2026 الساعة 01:49 ص

مقالات وآراء

رحلةُ المخاطر «09/26»

حجم الخط
أيمن دلول

بعد الانتهاء من تغطية بعضاً من جنازة الشهداء، وحينما مضت عدة ساعات من اليوم الثامن للعدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة، كنتُ قد طلبتُ الإذن من مسئولي في العمل أخذ قسط من الراحة والتوجه لزيارة الأهل، وحينما حانت اللحظة تحركتُ ودون إشعار المحيطين بي بنيتي هذه، بل لم أخبر أهل بيتي برغبتي في زيارتهم، فالحذر مطلوب في هذه الظروف البالغة الخطورة.

 

أغلقتُ هاتفي وقطعتُ كل وسائل الاتصال التي أملكها قبل فترة من بدء حركتي، وبدأت الحركة في شوارع غزة سيراً على الأقدام، وقد حاولتُ المرور عبر شوارع لا يعرفني فيها الناس، لكن دون جدوى، فهذا يستوقفني في الطريق شاكراً جهودنا وعملنا في نقل العدوان، وثاني للسؤال عن القادم، وثالث يطلب منا نقل فرحتهم بإنجازات وإبداعات المقاومة.1

 

وخلال السير وفي منتصف الطريق قررتُ أن أحمل معي ما يَسَّرُ أبنائي وأهل بيتي فاشتريت كمية من التفاح وبعض الدواجن، وعند وصولي للبيت بعد ما يزيد عن الساعة من السير تحت أشعة الشمس وبعد أن قطعتُ بضعة كيلو مترات سيراً على الأقدام وفي ظل تحليق مكثف للطائرات الحربية بدون طيار، وصلتُ إلى المكان الذي أسكن فيه في حي الزيتون، وما هي إلا لحظات حتى استلقيت في أحضان أمي وأبنائي وأخذوا يقبلونني وأقبلهم وقبلت والدتي التي انهمرت دموعها دون توقف.

 

سألتهم عن زوجتي فأخبروني بأنها تخبز، توجهت إليها فابتسمت واستقبلتني بسعادة غامرة. جلست قليلا مع أهل بيتي وتوجهت للنوم الذي اشتقت له كثيرا ولم أذق طعمه منذ اندلاع العدوان على غزة.

 

استيقظت فوجدت والدتي وقد سخنت ماءً لي على الحطب لعدم وجود الغاز أو الكهرباء كي أغتسل قبل العودة إلى العمل مرة أخرى. اغتسلت وجلست قليلا قبل أن أستأذن أهل بيتي بالعودة إلى عملي مرة أخرى.

 

وعلى أبواب بيتي، وبينما هممت بالمغادرة وقف كل من أمي وأبي وزوجتي وأبنائي لوداعي، نظرت إلى السماء وقلت: يا رب عليك توكلت، لا إله إلا أنت. غير أن ابنتي الصغيرة “بيسان” التي هي قطعة من جسمي ومشهد صورتها لا يغادر وجهي وتفكيري على الإطلاق وقفت في تلك اللحظات تبكي بكاء شديدا لم أجد له تبريراً حتى كتابة هذه الكلمات، غير أنَّ بكاءَها كان كالرمح الذي طعنني في قلبي.. كانت تبكي وتريد مصاحبتي كما تحب دائماً، لكنها لو علمت الوضع والحال التي أنا عليها لكانت ستدعو الله لي بالتوفيق والسداد والثبات على قول الحق ومواجهة الباطل وأعوانه.

 

وعلى أبواب مستشفى الشفاء وبعد مسيرة لعدة كيلو مترات في طريق العودة وحيث كان مقرراً مكوثي في تلك الليلة لمحت “القطايف” التي أشتهي تناولها في شهر رمضان، لكن عيوني دمعت واكتفيت بالدموع في تلك اللحظات بينما الغصة تحرق قلبي نتيجة حرماننا من الجلوس على مائدة رمضان بفعل العدوان الإسرائيلي.

 

وبينما كُنا نستعد لتناول طعام الإفطار في ذلك اليوم، وصلنا بلاغٌ عسكري يتحدث عن إعلان كتائب القسام خلال دقائق عن مفاجآت جديدة لها في ميدان مواجهة الاحتلال، نسينا جميعاً الإفطار وانتظرنا بشوق كبير، وما إن جاء الموعد حتى أعلنت أنها أرسلت طائرات بدون طيار صوب المدن الفلسطينية المحتلة، وأطلقت عليها أبابيل1 وحلقت إحداها فوق مقر وزارة الحرب الإسرائيلية، وذكرت أن هذه الطائرة منها أنواع مختلفة هي: النموذج الأول A1Aللمهام الاستطلاعية، والثاني A1Bللمهام الهجومية المتمثلة في إلقاء القنابل، والثالث A1Cللمهام الهجومية الانتحارية.

 

لقد كان هذا الإعلان بمثابة جبلٍ من المعنويات التي رفعت مشاعر المواطنين الغزيين صوب السماء مرات ومرات، وجاء بيان “القسام” ليتحدث أن طائراتهم قامت صباح ذلك اليوم بثلاث طلعات شاركت في كل منها أكثر من طائرة، مشيرا إلى أنه “فقد الاتصال مع طائرتين” بدون إعطاء المزيد من التفاصيل، بل مما زاد من الثقة بحديث المقاومة والتسليم بروايتها هو قيام فضائية الجزيرة القطرية والعديد من الفضائيات ببث صور حصرية لبعض المشاهد التي صورتها تلك الطائرات.

 

لم يكن إعلان كتائب القسام عن تلك الطائرات مجرد خبر عابر، بل ركزت عليه وسائل الإعلام العبرية والدولية بشكل لافت، واستضافت المحللين والخبراء للتحليل في مآلاته وتداعياته، والجميع يسأل: إن كانت المقاومة الفلسطينية تمكنت من صنع هذه الطائرات وهي محاصرة، فماذا كانت ستفعل لو فتحت الدول العربية الحدود في وجهها؟!.

 

وفي مساء ذلك اليوم، وحينما كانت تُسجل المقاومة الفلسطينية براءة اختراع تلو الآخر، كان يدور في الكواليس محاولات وجهود مختلفة، وللأسف بينها عربية ليس لنصرة المقاومة الفلسطينية، وإنما لسحب البساط من تحت أرجلها وتحطيم رأسها الذي يرفض الخنوع إلا لله، فقد بدأت وسائل الإعلام المختلفة الحديث عن مبادرة مصرية للتهدئة بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، وسبقتها بساعات للحديث عن شروط تلك التهدئة.

 

وعلى الفور أعلنت “إسرائيل” موافقتها على المبادرة المصرية للتهدئة ومعها حقٌ في ذلك، فهي كالغريق الذي يتعلق بقشة، وبعد إنجازات المقاومة كان واضحاً أن “إسرائيل” قد خانتها التوقعات بسلاح المقاومة وإبداعاتها فأقدمت على هذا العدوان دون تفكير في العواقب، وذكرت قوات الاحتلال أنها ستوقف إطلاق النار التاسعة صباح اليوم التالي، غير أن المفاجأة كانت بأن حركة “حماس” أكدت أنها لم تتسلم أي مبادرات رسمية من أية جهة، فكان الأمر واضحاً هو محاولة جر الفلسطينيين لطُعم اسمه “تهدئة” لمحاولة رصد المقاومين وتشكيل قائمة أهداف جديدة للمقاومة الفلسطينية برعاية مصرية، وهو ما جعلنا نعمل بشكل دؤوب لتحذير المواطنين ورجال المقاومة من الانخداع أو الانجرار لتصريحات العدو والبقاء على ذات الوتيرة من الحذر والاختفاء عن منظور طائرات وجواسيس “إسرائيل”.