الثلاثاء 20 أكتوبر 2020 الساعة 03:34 م

مقالات وآراء

عماد زقوت

صحفي - فضائية الاقصى
عدد مقالات الكاتب [101 ]

الهاتف المحمول .. داء العصر!

حجم الخط

لطالما قيل لنا إن العالم أصبح قرية صغيرة في ظل تقدم وتطور وسائل الاتصال، ولكنه لم يبقَ عند هذا الحد، بل وصل به الحال إلى أن يصبح غرفة واحدة، ولا أبالغ بأنه أضحى في صندوق صغير جداً، يسمى "الهاتف المحمول"، هنا في غزة –على سبيل المثال- عندما يريد شخص أن يتواصل مع آخر في الصين أو الولايات المتحدة، فما عليه إلا أن يستخدم هاتفه المحمول، وعليه أن يختار طريقة التواصل معه، إما دردشة نصية، أو صوتًا أو صورة، وهناك المئات من التطبيقات التي تساعده على ذلك.

لكن هذا التطور العملاق في وسائل الاتصال، له مردود سلبي على بيئة الإنسان ومحيطه الأسري والاجتماعي، ناهيك عن الأضرار الصحية التي يجنيها جراء استخدامه المتسارع لهذه التكنولوجيا، لهذا أطلق البعض على الهاتف المحمول لقب "داء العصر"، ولكنه لم يكن كذلك قبل نحو 44 عاماً عندما اخترعه (مارتن كوبر) عام 1972م، وعرضه في الأسواق عام 1983م، فقد أراد باختراعه هذا، أن يخفف عن الإنسان ويسهل عليه عملية التواصل مع الآخرين، لكن بعد تطور التكنولوجيا على الهاتف النقال، مثقلة إياه بالتطبيقات والخدمات والألعاب، فإن هذا جعله سلاحًا ذو حدين.

فالهاتف النقال الذي بدأ وزنه بكيلو جرام، وأصبح اليوم غرامات معدودة، سهل الحمل، له أضرار أمنية، يسمى بـ "الجاسوس" الذي أُعتقل واستشهد بسببه الكثير من النشطاء وكوادر المقاومة الفلسطينية، تحديداً في انتفاضة الأقصى، فعوضاً عن أضراره الصحية والاجتماعية، جعله الاحتلال أداة ترصد المستهدفين من رجال المقاومة.

هذا عن مخاطره الأمنية، أما عن تأثيره السلبي على الحياة الأسرية، فنجد أفراد الأسرة الواحدة قد فرقهم الهاتف المحمول عن بعضهم البعض، وهم يعيشون تحت سقف واحد، لذلك يحلو لي أن أسميه "مفرق الجماعات"، فتجد كل واحد منهم غارقًا في عالمه الخاص مع هاتفه المحمول، مشغولا في دردشاته، متنقلا بين تطبيقاته، طائفًا حول العالم الافتراضي، كأنه يعيش وحيداً في بيته أو حتى مكان عمله، وبالتالي يستهلك الهاتف المحمول وقتاً لا شعورياً منهم، ويهيمن على المستخدم ويشغله لفترات زمنية طويلة، ويصرفه عن محيطه الأسري والاجتماعي، أليس هذا داء العصر الذي يفرض على الإنسان أن يعيش وحيداً في عالم افتراضي منعزلاً عن واقعه الحقيقي؟

أما عن مخاطره الصحية فحدث ولا حرج، فهناك من حدثني بأنه يربط عصابة على عينيه بشكل يومي، بسبب تعرضه الدائم لأشعة الجهاز المحمول، وأن نظره ضعف، بشكل ملحوظ، وقد حذرت دراسة أمريكية في جامعة واشنطن من خطورة الاستخدام المكثف للهاتف المحمول، خاصة من قبل النساء الحوامل والأطفال، بسبب الموجات الكهرومغناطيسية، التي تحمل آثارًا سلبية عليهم، وأضاف خبراء وأطباء آخرون أن إشعاعات الهاتف المحمول، يمكن أن تغير من وظيفة الخلايا، وتساهم في احتمال الإصابة بأورام سرطانية، تحديداً في منطقة الدماغ.

حقّ علينا أن نطلق على الهاتف المحمول "داء العصر"، الذي يجلب لنا الفشل في العمل المقاوم ضد الاحتلال، والتدمير الأسري والاجتماعي، وخطر الإصابة بالأمراض.

هذا بطبيعة الحال لا يعني أن نترك استخدام التكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة، باعتبارها نافذة نحو العالم، أتاحت لنا فرصة الانفتاح على ثقافات جديدة، لكن علينا أن نقتصد في استخدامنا لها، وأن نتعامل معها بالقدر المعقول، دون إسراف حتى تكون نافعة رافعة، لا مدمرة مهلكة لنا، وللأجيال من بعدنا.