دخلنا النصف الثاني من الليل، واشتدت ظلمة الليل، وبدأ حوارنا المعتاد خلال أوقاتٍ لم يعرف النوم فيها سبيلاً لعيوننا، وأذكر بأننا حاولنا النوم في تلك الليلة لكننا لم نفلح في ذلك، فيبدو أن كثرة السهر الذي قمنا به خلال الأيام الماضية أثر على وظائف الجسم عندنا وجعلنا نرفض النوم ليس بإرادتنا.
وبينما كُنا نحاول تثبيت بعضنا البعض وأن الحرب لن تطول كثيراً لم يدر في خلدنا أن العديد من العواصم العربية في الوقت الذي كان العدو الإسرائيلي يستجدي التهدئة، كانت تقدم له الحوافز المختلفة ليواصل الحرب والعدوان بهدف استئصال وإزالة راية المقاومة الشامخة في غزة. كنتُ أحاول غرس بعض التفاؤل في صفوف المواطنين الذين يستمعون إلينا في رسائلنا الإعلامية، وإن كان بعض حديثي ومصطلحاتي التي أتحدث بها لا تكون مطابقة تماماً للواقع، غير أن عملي بمبدأ المسئولية الإعلامية تجاه أبناء شعبي كان يدفعني في بعض الأوقات لمحاولة التخفيف من جرائم تقع أو الاهتمام أكثر مما ينبغي بإنجازات المقاومة الفلسطينية الباسلة، وهو أمرٌ وجدتُ بأنه حقق ثباتاً وصموداً منقطع النظير في صفوف المواطنين خلال فترة العدوان.1
وحينما كنا نتدارس العدوان على أبناء شعبنا في قطاع غزة ويتحدث كل واحدٍ منا عن العدد المتوقع لأيام الحرب، وصلتني رسالة على هاتفي الجوال كان نصها “الحرب الأولى طير الأبابيل والحرب الثانية حجارة السجيل، والآن العصف المأكول والقسام سيعلم نتنياهو سورة الفيل”. كل التحية لجهودك الوطنية أخي أيمن”. اعتبرتها بمثابة دعوة صادقة من أحد المتابعين لتغطيتي الإعلامية، وكانت بمثابة دفعة جديدة نحو الإصرار على خدمة أبناء شعبي مهما كلف ذلك من ثمن.
وقبل وقت السحور بقليل حيث اعتادت قوات الاحتلال أن تشن سلسلة من الغارات على بيوت المواطنين وتُحيلها إلى ركام بينما يستعدون لتناول طعام السحور، دوت انفجارات هائلة ومتوالية في المناطق الغربية من محافظة غزة وبدأنا على الفور عمليات التحري لمعرفة المستهدف هذه المرة، وما هي إلا لحظات حتى زال الغبار وتكشفت معالم جريمة جديدة كان ضحيتها هذه المرة المعاقين الذين لا يتمكنون من حماية أنفسهم من بعوضة أو أقل منها تهاجم أجسامهم، لكن “إسرائيل” كان لها رأيٌ آخر، وقد هاتفني في تلك اللحظات مدير جمعية “مبرة فلسطين” للمعاقين وكان يبكي محاولاً البحث عن مبررات لسبب الاستهداف لكنه لم يفلح!.
لقد كان المشهد مؤلما للغاية ولن تفلح كلمات اللغة العربية مجتمعة على وصفه، ففي الوقت الذي كنتُ بمستشفى الشفاء في غزة وصلت أشلاء المعاقين للمستشفى، لكن مشهد إحدى المصابات في الاستهداف هو ما آلمني بشكل كبير. لقد كانت في الثلاثينات من العمر ولا تتكلم فكانت تفتح وتغلق في فمها من شدة الألم، وبينما كان أحد الأطباء يعالجها مستخدماً حقنةً صرخت صرخةً كلها ألم وبكاء وهزت أركان المستشفى، وهي صرخة لا يزال صداها في أذني حتى الآن، بل كانت سبباً في منعنا من تناول طعام السحور في ذلك اليوم باستثناء كوب من الماء.
وما إن أعلنت الشمس في ذلك اليوم الإيذان ببدء نهار جديد أبلغتني المؤسسة التي أعمل بها عن انتقال مقر العمل لمكان بديل آخر، وقد تمت عملية إبلاغي برمز محدد تم اختياره قبل العدوان، فما كان مني إلا التوجه إلى المقر البديل للعمل لإعطاء دفعة معنوية للشباب تُعينهم على الثبات والاطمئنان بأننا كمسئولين عنهم نقف معهم في الخندق الأول.
بدأتُ الحركة والتوجه إلى المقر البديل سيراً على الأقدام كالعادة، فقد كان القرار لنا أنه في حالة اندلاع مواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي فمحظور علينا كون مؤسستنا تابعة لإحدى حركات المقاومة الفلسطينية التحرك إلا على الأقدام وللضرورة القصوى وبحذر شديد وفي أوقات محددة نعلمها جيداً، تحركتُ في ذلك الوقت وكان هناك تحليق غير طبيعي للطيران الحربي وبخاصة من النوع بدون طيار، وخلال سيري للمقر الذي استغرق نحو خمس وعشرين دقيقة أشغلت نفسي بقراءة ما أحفظ من القرآن الكريم، بينما ركزت سمعي جيداً لأي أزيز صواريخ خلال مسيري للمكان.
وصلتُ إلى المكان ومكثت هناك لعدة ساعات، وخلال التواجد هناك لاحظت أن وكالة الغوث قامت بافتتاح العديد من مدارسها والقيام بترتيبها وتجهيزها لاستقبال المواطنين والمتضررين من العدوان، حينها أدركت أن الوكالة تدبر لأمر ما في الخفاء، وخلال ساعات الليل وقع ما توقعت حدوثه ففتحت الوكالة أبواب المدارس لتشجيع إخلاء المواطنين من منازلهم لتسهيل مهمات الاحتلال الإسرائيلي في قصف منازلهم.
بعد فتح الوكالة لأبواب المدارس بدأ العديد من الصحفيين بقصد أبو بدون قصد الترويج لذلك وإجراء مقابلات مع المواطنين من داخل “مراكز الإيواء” تلك كما اصطلحت الوكالة على تسميتها، الأمر الذي كان سبباً في لجوء الكثير من المواطنين، لكننا في مؤسستنا استشعرنا المسئولية الاجتماعية تجاه أبناء شعبنا وتم إصدار قرار من إدارة المؤسسة بعدم التطرق لمراكز الإيواء أو تشجيع المواطنين على ترك منازلهم واستمرار بث رسائلنا التي تؤكد ثبات المواطنين في بيوتهم وعدم تركها مهما كلفهم ذلك من ثمن، وقد وجدنا الكثير من المواطنين الذين خرجوا معنا بالكثير من الرسائل التي أكدوا من خلالها ما توجهنا إليه من تعزيز صمودهم والتأكيد على ثباتهم.
بعد ساعاتٍ قضيتها مع زملائي داخل المقر تحركتُ قبيل أذان العصر بقليل صوب مستشفى الشفاء بغزة، وفي طريقي تواردت أنباء عن قصف إسرائيلي جديد جنوب حي الزيتون واستشهاد أحد المواطنين، وعلى الفور خرجتُ برسالةٍ على الهواء مباشرة لأصف الحدث ومطالبة سيارات الإسعاف للتحرك نحو المكان لانتشال الشهيد.
وصلتُ إلى المستشفى فاستقبلني أحد الزملاء الصحفيين وطلب مني التوجه إلى ثلاجات الموتى لتصوير شهيد فيها، دخلنا الثلاجات فكانت المفاجأة، فقد كان الشهيد أحد أقاربي واستهدفته الطائرات الحربية بدون طيار بينما كان في مهمة إطلاق صواريخ صوب البلدات الفلسطينية المحتلة، وما هي إلا لحظات بعد إعلاني لاسمه على الهواء مباشرة حتى وصل أبناؤه إلى المستشفى، حينها أوقفتُ مهمة عملي الصحفي قليلاً وتحولت إلى مخفف لدموع أبناء ذلك الشهيد ومحاولة تهدئتهم، وعدم إظهار حزني عليه وإن كانت الدموع قد بقيت حبيسة عيوني في تلك اللحظات.
جلستُ ومجموعة من النشطاء الإعلاميين والصحفيين كالعادة في جلستنا المسائية خلال تناول طعام الإفطار وما بعدها قليلاً، جلسنا نتحاور ونحاول تحليل ما يجري على وقع أزيز الطائرات التي لم تكن تغادر أجواء المكان بالمطلق دون مراعاة أننا في مستشفى، وقد هدأت حدة القصف قليلاً في ذلك المساء، وهو هدوء كُنا في العادة نعتبره مقدمة لعواصف جديدة من القصف والعدوان، هكذا على الأقل نقشت قوات الاحتلال في مخيلتنا خلال أيام العدوان الماضية.
هاتفني مدير مؤسستي في تلك اللحظات وتم الاتفاق على العديد من المحددات والمصطلحات الإعلامية للعمل، فقد وجدنا بأن العديد من وسائل الإعلام تقوم بنشر بعلم أو عن جهل بعض المصطلحات التي يرددها الاحتلال الإسرائيلي في حربه ضد كل ما هو فلسطيني، وكان من بينها قوله أنه يُطلق صاروخ “تحذيري” صوب المنازل الفلسطينية قبل استهدافها من قبل طائرات الإف 16 وهو صاروخ تُطلقه الطائرات الحربية بدون طيار، ومصطلح “تحذيري” أو إرشادي أطلقه الاحتلال عليه في محاولة منه لتلطيف جريمته باستهداف المنازل المدنية، وهو صاروخ أدى لاستشهاد العديد من المواطنين، فكيف يمكن تسميته تحذيري وقد قتل العديد من المواطنين، حينها تم الاتفاق على التعامل معه كصاروخ بدون تحديد تحذيري من غيره، وهو التعريف الذي يجب أن يكون له.
