تخطت الساعة منتصف الليل، ومضت عقاربها من ساعة لأخرى، ومع كل ساعةٍ تمضي يتم تسجيل شهداء جدد ومصابين ضمن سجل وزارة الصحة الفلسطينية، غير أن المميز في هذه الليلة هو تركيز العدوان على العديد من الجمعيات الخيرية والمستشفيات والعيادات الصحية واستهداف لمنازل فلسطينية مأهولة بالسكان بدون سابق إنذار، وهو ما يشكل إهانة لكل القوانين والأعراف الدولية التي اعتبرت استهداف مثل هذه الأعيان بمثابة جرائم حرب يحاسب القانون الدولي مرتكبها، لكن يبدو أن الأمر يختلف مع “إسرائيل” المعتدية والشعب الفلسطيني المُعتدى عليه، وهو زمن تبدلت فيه القيم واختلفت المعايير، فأصبح المجرم ضحية، بينما تحولت الضحية إلى مجرم يجب ملاحقته ومحاكمته، تماماً كما يحدث في قانون الغاب، حيث يقتل القوي الضعيف.1
ومع انتهاء ساعات الليل، بدأت ساعات النهار وهو ما جعلنا نترقب إنجازات ورد رجال المقاومة الفلسطينية على جرائم الاحتلال رغم أن الطائرات الحربية بدون طيار لم تكن تغادر أجواء القطاع دقيقة واحدة، وكانت تطلق صواريخها دون عناء تحقق كل ما تراه يتحرك على الأرض، وعلى مدار ساعات النهار أطلقت الأجنحة العسكرية الفلسطينية أكثر من مائة وخمسين صاروخاً أصاب بعضها مراكز مهمة داخل الكيان الإسرائيلي.
وفي ساعات مساء ذلك اليوم، عقد رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي مؤتمراً صحفياً بمبنى وزارة الحرب في “تل أبيب”، وبينما كان يتحدث بكل عجرفة وعربدة وأنه لن يرضخ لأية ضغوط دولية لوقف الحرب وحمل حركة “حماس” المسؤولية عن الأضرار التي تحدث في غزة. هذا وقد نقلت شاشات التلفزة تعثره في الكلام بعد سماع انفجار في محيطه، فقطع مؤتمره الصحفي وقال: “نحن نتعرض للقصف الآن”، حينها كبرتُ ومجموعة من الزملاء الصحفيين والإعلاميين وعلا هتافنا، وقد كان لهروب “نتنياهو” بهذا الشكل وقعاً خاصا في نفوس الفلسطينيين الذين ازدادت ثقتهم بالمقاومة الفلسطينية وإنجازاتها. وبعد وقت قليل على المؤتمر أعلنت سرايا القدس وكتائب القسام أنهما قصفا مدينة “تل أبيب” بصواريخ من طراز فجر 5.
وقد اعتمد عملنا خلال نهار هذا اليوم على نقل ما يجري على الساحة الإسرائيلية، فالأخبار السيئة إسرائيلياً والمفرحة فلسطينياً كانت أكبر كثيراً من الأيام الماضية، فقد تلقى “نتنياهو” اتصالاً خلال هذا اليوم من الرئيس الأمريكي “باراك أوباما” عرض من خلاله استعداده للتوسط مع “حماس” لوقف إطلاق النار، وهو اتصال جاء بعد وقت قليل فقط على تكرار استهداف كتائب القسام لمدينة حيفا وتل أبيب ومطار بن غوريون وديمونة النووية وتوقف الملاحة فيه واختراق حسابات عشرات من قادة العدو وبث القناة الثانية وإرسال آلاف رسائل التهديد للمشاركين فيها.
وإن كان قد تخلل هذا النهار الكثير من البشريات للفلسطينيين والمسلمين، إلا أنه تخلله بعض المنغصات التي تركت تساؤلات كبيرة عن سبب القيام بها، ومنها منع الشقيقة مصر لوفد أوروبي طبي من دخول قطاع غزة، ووصف رئيس السلطة الفلسطينية للمقاومة والاحتلال بـ” تجار الحروب” ووضعهم في خانة واحدة، ومنها كذلك إعلان وزيرة التربية والتعليم في الحكومة الفلسطينية خولة الشخشير بأن نتائج التوجيهي ستكون يوم غدٍ، وهو إعلان كان سبباً في ثورة قام بها النشطاء الفلسطينيين واستهجنوها واعتبروها تأكيدٌاً لعدم الاهتمام بمعاناة المواطنين والمهجرين، وما لبثت التربية والتعليم أمام الضغط الشعبي إلا أن أصدرت قراراً بتأجيل الإعلان لوقتٍ لاحق.
وتكررت في الضفة الغربية المحتلة المواجهات التي اندلعت بعد صلاة التراويح بين شبان غاضبين والسلطة في الخليل وقلقيليا، بعد منع الأخيرة الشبان من الاشتباك مع قوات الاحتلال التي تقتل أبناء شعبهم في قطاع غزة، وهي اشتباكاتٌ أدت لإصابة عدد من الشبان برضوض وكدمات والغاز المسيل للدموع بعد مهاجمتهم من الأجهزة الأمنية الفلسطينية.
وفي تمام الساعة الثامنة مساءً تلقيتُ وزملائي الصحفيون بلاغاً عسكرياً من كتائب القسام عبر أجهزة الجوال الخاصة بنا، وكان نصه “كتائب القسام تعلن أنها ستوجه ضربة عسكرية الساعة التاسعة مساء لمدينة “تل أبيب”!، حينها انقلبت الأمور عندنا رأساً على عقب وكل عدسات التلفزة تحولت إلى “تل أبيب” استعداداً لنقل هذا الحدث الذي لم نشهد مثيلاً له عبر التاريخ، فهذه المرة الأولى التي يُعلن خصم بأنه سيستهدف عدوه في الزمان والمكان المحدد، وهو يشكل قمة التحدي لهذا العدو.
وفي الوقت المُعَلن، كنتُ أتحدث برسالة على الهواء مباشرة حينما أنارت صواريخ المقاومة سماء غزة وانطلقت مدويةً صوب أهدافها، وحينما كنتُ أتحدث في ذلك الوقت علت هتافات المواطنين وتكبيراتهم في سماء غزة وهم يتابعون صواريخ المقاومة تنطلق صوب “تل أبيب”. وبعد وقتٍ قليل قالت القناة العبرية العاشرة التي كانت تنقل بشكل مباشر من وسط “تل أبيب” في خبر عاجل: سقوط عشرة صواريخ على تل أبيب، صواريخ مستمرة وانفجارات في المدينة، بينما نقلت القناة تصريحات لخبير عسكري إسرائيلي قال: “إن صواريخ J80تهرب من القبة الحديدية وما فعله القسام لم يفعله أحد”، هذا التصريح من ذلك الخبير دفعنا للتساؤل عن التقنية المزودة بها تلك الصواريخ، ولم ننتظر كثيراً حتى قالت كتائب القسام في بلاغ عسكري لها : “صاروخي J80مزودين بتقنية لا تمكن القبة الحديدية من اكتشافهما ضربت بيت يام”.
القصف المعلن الذي تعرضت له “تل أبيب” دفع الكثير من المحللين والخبراء الإسرائيليين للحديث عن “توريطهم” من قبل “نتنياهو” في معركة حولت “إسرائيل” بالكامل لبقعة زيت لاهبة، وهو أمرٌ حاول تبريره وزير الخارجية المتطرف “أفيغدور ليبرمان” حينما أوضح بأن هدف العملية هو التخلص من سلطة حماس في غزة، في تصريح أوضح حقيقة استمرار الصمت العربي على ما يجري أو التصريحات المناهضة لأهل غزة والمقاومة الفلسطينية من قبل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس.
بعد هدوء طفيف للقصف، جلسنا نرتاح ونتبادل أطراف الحديث في خيمة الصحفيين بمستشفى الشفاء في غزة، تفاجأت بطلب مراسل تلفزيون فلسطين مني الخروج معه على شاشتهم للحديث عن الوحدة الوطنية ومثل هذه الشعارات، لكني رفضتُ الخروج معه وقلت له: “إن ذلك التلفاز لا يشرفني خروج صورتي على شاشته”، تفاجأ مني وسألني عن السبب؟، فقلت له: عندما تصبح شاشتكم ممثلة لفلسطين الشعب والقضية والوطن فسوف أخرج خلالها، أما أنكم تنشرون أفلاماً رومانسية خلال ساعات الليل والصواريخ تتهاوى على غزة وكأن الأمر لا يعنيكم فهذه شاشة تمثل عاراً أربأ بنفسي أن يصيبني إن خرجت صورتي خلالها.
