تشتدُ حدة النقاش بين القطاعات الفلسطينية وبخاصة بين تياري حركتي فتح وحماس، عقب كل تصريح أو لقاء تلفزيوني لأحد قادة حركة “فتح” فيما يتعلق بالوضع الفلسطيني الداخلي، فيذهب البعض للقول بأن حركة “فتح” فيها الكثير من الشرفاء والمناضلين الرافضين لتصريحات قيادتها تجاه الكثير من القضايا والأحداث، وهو أمرٌ يدفع الكثير من النشطاء للضغط على أعضاء وعناصر تلك الحركة الفلسطينية الكبيرة للخروج عن صمتهم وإظهار رفضهم لبعض التصريحات، وبالذات تلك التي تُظهر قيادة حركتهم بمشهد المخطط لاستمرار معاناة الفلسطينيين، وإن كانت حالة الضغط لا تحقق المطلوب منها بخروج رافض من تلك الحركة لتصريحات قيادته.2
شاهدٌ آخر ظهر على السطح للتأكيد على حالة الانحدار التي وصلت لها الحركة، وكان بطله هذه المرة عضو اللجنة المركزية لحركة “فتح”، بل ومسئول ملف المصالحة الوطنية فيها عزام الأحمد، حيث أكد سعي حركته الحثيث لما أسماه “إحباط أي محاولة لإنشاء ميناء بحري يربط بين قطاع غزة وجزيرة قبرص التركية”.
وبالنص الحرفي فقد قال الأحمد خلال لقاء على قناة “فلسطين” الفضائية: “إن ما يجري الحديث عنه ليس ميناء وإنما عوامة مع قبرص التركية التي لا يعترف بها أحد، ونحن أيضا لا نعترف بها. نحن نعترف بقبرص الموحدة الصديقة الوفية التي وقفت مع الثورة الفلسطينية في أحلك الظروف، ولن نتنازل عن وحدة قبرص مثلنا مثل القبارصة”، في مشهد أظهر وكأن “الأحمد” حريصٌ للغاية على وحدة الجزيرة القبرصية قبل البحث عن مخارج لتحقيق الوحدة الفلسطينية!!.
خلال مقابلته جدد “الأحمد” كذلك- الذي اختارته حركته فتح لإنجاز الوحدة وإنهاء الانقسام مع حركة حماس- مهاجمته لأي جهود تُفضي لكسر الحصار المفروض على قطاع غزة، وهو الشريط الساحلي الذي يعيش فيه أعداد كبيرة من أبناء حركته “فتح” إلى جانب أبناء الشعب الفلسطيني، في صورةٍ تبدو تعكس المتسبب باستمرار الحصار وإعاقة الإعمار، وذهب لأبعد من ذلك حينما اعتبر إقامة ممر مائي فلسطيني تقول الأطراف المختلفة “تركية وإسرائيلية” أنه وصل لمراحل إنجازه الأخيرة بهدف كسر حصار غزة، جاء “الأحمد” ليعتبر هذا الممر “مس بالعلاقة الفلسطينية القبرصية بشكل جوهري”.
وبلا خجل وعبر فضائية “فلسطين” قال الأحمد: “مهما جرت من محاولات، سنكون قادرين على إحباط أي محاولة لإقامة ميناء أو كهرباء أو مفاوضات تتناقض مع المصالح الوطنية الفلسطينية العليا”.
جاءت هذه المقابلة التلفزيونية لتبين مدى الوقاحة التي باتت تتمتع بها حركة “فتح”، فما كان يخشاه البعض في أوقات سابقة من تورط الحركة في الحصار وأزمة الكهرباء وإغلاق المعابر وإعاقة الإعمار، حملها عزام الأحمد للجمهور الفلسطيني بكل صراحة وعلى الهواء مباشرة، وأخبر الجميع بأنها جهود تقوم بها حركته على مدار الساعة، وهي الخطوات التي تقضي الساعات الطويلة لإنجازها وكل الأخبار التي يتم تناقلها عن جهود حركته في تحقيق الوحدة الوطنية وكسر الحصار وغيره، مجرد كذب ووهم لذر الرماد في العيون.
وأمام الضربات المتوالية التي يسددها “الأحمد” وغيره من قادة حركة “فتح” للقضية الفلسطينية وعلى الهواء مباشرة وبدون أي خجل أو خشية من المحاسبة، يطمئن المواطن الفلسطيني لما كان صرح به القيادي الفتحاوي قبل عقود من الزمن “أبو إياد صلاح خلف” حيث قال: “أخشى ما أخشاه أن تصبح الخيانة وجهة نظر”. بل إني بعد هذه السنوات أقول لأبي إياد: “اطمئن في لحدك فقد باتت الخيانة ليست وجهة نظر، وإنما خيار ومنهج يتم دفع الأموال وتجنيد الأنصار للدفاع عنه، والقتال في سبيله”.
إن الخطير والأمر القذر الذي وصلت إليه حركة مثل “فتح” لهذه الدرجة من النذالة والخيانة التي لا تُمكن أبنائها من لفظ ما يقوم به قادتها، والمصيبة ستكون أكبر حينما تجد الآلاف من أبنائها يُدافعون عن الخيانة بوجهات نظر مختلفة، رغم إدراكهم الشديد بأنهم من ضمن المخططات الساعية لإبادة والقضاء على غزة وأهلها، وهي حالة لا يُمكن تبريرها إلا في سياق تنظيم بات أبناؤه بلا عقول يفكرون بها أو أفئدة يشعرون من خلالها، وبذلك تصدق فيهم الآية الكريمة التي كنتُ أتمنى ألا تنطبق عليهم “أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا”.

