في الوقت الذي يشتد خناق حركة المقاطعة الدولية على رقبة الكيان الصهيوني، لدرجة أن صناع القرار في تل أبيب يعدونها «خطراً وجودياً»، وعلى وقع القمع غير المسبوق الذي يشنه الصهاينة ضد الفلسطينيين في مسعى لوضع حد لانتفاضة القدس، أعلنت إسرائيل أن صحافيين عرب استجابوا لدعوتها وقاموا مؤخراً بزيارتها من أجل نقل انطباعاتهم «الإيجابية» عنها للرأي العام العربي.
الصحافيون العرب الذين تحفظت إسرائيل على ذكر أسمائهم، وعدوا بأن يواجهوا ما وصفوه «المواقف المسبقة» التي ينظر بها العرب للكيان الصهيوني واستغلال إطلالاتهم الإعلامية من خلال عملهم كصحافيين ومذيعين في لفت نظر الرأي العام العربي لـ«الوجه الإيجابي» لإسرائيل. صحيح أن تل أبيب اختارت هؤلاء الصحافيين بشكل انتقائي، حيث إنهم جميعاً يعملون في وسائل إعلام معروفة بتوجهاتها المعادية للمقاومة، لكن هذه الحقيقة لا تقلل من خطورة هذه الخطوة، التي تأتي ضمن محاولة تل أبيب تحقيق اختراقات في العالم العربي. المفارقة أن الصهاينة قد اختاروا بعناية المسؤول الذي أوكلت إليه مهمة استقبال الصحافيين العرب، حيث إن تل أبيب أرادت من خلال هذا الاختيار تحديد مفهومها للعربي الذي ترتاح إليه وتقبل به.
فقد كلفت الخارجية الإسرائيلي نائب الناطق بلسان الوزارة حسن كعبية بمرافقة الصحافيين الأربعة، وكعبية هو فلسطيني خان وطنه وخدم في الجيش الإسرائيلي وتسرح قبل سنوات برتبة مقدم، بعد أن خدم في وحدات مقاتلة مسؤولة عن عمليات قتل واسعة في صفوف الفلسطينيين والعرب. وقد أيد كعبية قرار وزير الخارجية الصهيوني السابق المتطرف أفيغدور ليبرمان القاضي بعدم تعيين أي شخص غير يهودي في وزارة الخارجية لم يؤد الخدمة العسكرية. والذي يثير الإحباط حقيقة أن هذه الزيارة تأتي لتعزيز موقف اليمين المتطرف في تل أبيب، حيث إن المسؤولين عن تنظيم هذه الزيارة مسؤولون يعدون ضمن غلاة المتطرفين الذين يتبنون المواقف الأكثر تطرفاً تجاه الفلسطينيين ويحملون مواقف عنصرية تجاه العرب لكونهم عربا.
إن المسؤولة الإسرائيلية التي أشرفت على استقبال الصحافيين العرب، هي نائبة وزير الخارجية تسيفي حوطبيلي، التي تعد من أكثر النخب اليمينية تطرفاً وتشجيعاً على العمليات الاستفزازية ضد الفلسطينيين.
فمن المفارقة ذات الدلالة أن الكشف عن حلول الصحافيين العرب ضيوفاً على وزارة الخارجية الإسرائيلي قد جاء بعد 12 ساعة على إعلان مضيفتهم حوطبيلي عزمها تقديم مخطط لحملة دعائية ستعرضها على حكومة ويهدف إلى إقناع العالم بقبول ضم الضفة الغربية بالكامل لإسرائيل.
وقد كشفت حوتبيلي عن نيتها أنها ستعرض على الحكومة الصهيونية عقدها جلسة «احتفالية» في قلب المسجد الإبراهيمي في الخليل في الخامس من يونيو القادم بمناسبة حلول الذكرى التاسعة والأربعين لحرب 1967 للتأكـــــيد على عزم إسرائيل عدم الانسحاب من الضفة.
وحوتبيلي هي المسؤولة الإسرائيلية الوحيدة التي تجرأت على إعلان رفضها الاتفاق الذي توصلت إليه إسرائيل والأردن بشأن ترتيبات تواجد اليهود في المسجد الأقصى، حيث دعت إلى رفع العلم الإسرائيلي على الحرم القدسي الشريف، لأنه يخص اليهود وحدهم.
وقد شاركت حوتبيلي بشكل دائم في الاقتحامات التي ينظمها المتطرفون الصهاينة للمسجد الأقصى برئاسة وزير الزراعة أوري أرئيل.
ومن أجل التأكيد على موقفها المتطرف، فقد أصرت حوطبيلي على عقد قرانها قبل ثلاثة أعوام في قلب الحرم القدسي وتحديداً قبالة قبة الصخرة المشرفة. المفارقة أن وزارة الخارجية الصهيونية نظمت لقاءات للصحافيين العرب مع صحافيين صهاينة.
وعلى الرغم من أنه لم يتم الكشف عن هوية الصحافيين الإسرائيليين للصحافيين العرب بالالتقاء بهم، فإنه يمكن القول إن الوزارة اختارت هؤلاء الصحافيين بشكل انتقائي، بحيث يكون جلهم من الذين يتبنون مواقف اليمين الصهيوني. ويحمّل كبار المعلقين والصحافيين في إسرائيل بشكل أساسي الحكومة الإسرائيلية وتحديداً نتنياهو جزءاً مهماً من المسؤولية عن اندلاع انتفاضة القدس بسبب رفضه تقديم أي مرونة تجاه السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس.
وقد وصل الأمر إلى درجة أن انضمت النخب العسكرية إلى توجيه النقد لحكومة نتنياهو بسبب مواقفها، كما عبر عن ذلك بشكل واضح رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية هرتسلي هليفي يوم الثلاثاء خلال إفادته أمام لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست.
وبالتأكيد لم يكن لوزارة الخارجية أن تسمح للصحافيين العرب بمقابلة الصحافي تسفي بارئيل، أحد كتاب الأعمدة الرئيسيين في صحيفة «هارتس» الذي نشر مؤخراً متهما نتنياهو بالتحريض على العنف ضد الفلسطينيين.
قصارى القول، لا يجوز التسليم بهذا الواقع، ويجب سد كل المنافذ التي تسمح لبعض العرب بأن يطعنوا أمتهم في الظهر من خلال شرعنة العلاقة مع المحتل الصهيوني.


