الأربعاء 14 يناير 2026 الساعة 08:59 ص

مقالات وآراء

الشرارة «02/26»

حجم الخط
أيمن دلول

أعلن التوقيت المحلي الفلسطيني والعالمي، دخول شهر يوليو من العام 2014م، ومع إعلانه كان واضحاً بأن الاحتلال الإسرائيلي لا يزال بانتظار اللحظة السانحة للهجوم على قطاع غزة، وفي عادته فهو يختار صيدٌ ثمين للهجوم لإحداث الصدمة لدى المواطن الفلسطيني ورجال مقاومته، وبالفعل فقد اعتمد الاحتلال هذه المرة لترويج رواية اختطاف ثلاثة من جنوده في الخليل، لكنها رواية لم تجد لها المصداقية المناسبة كما أراد الاحتلال، وبخاصة مع غياب أي إعلان من قبل أي فصيل فلسطيني للمسئولية عن هذا الحدث.1

 

وفي الثاني من هذا الشهر تناقلت وسائل الإعلام خبر اختطاف الطفل محمد أبو خضير من حي شعفاط في القدس المحتلة من قبل مجموعة من المستوطنين وإحراقه وتعذيبه وهو حي قبل العثور على جثته في أحراش دير ياسين، وهي جريمة أشعلت الرأي العام الفلسطيني في ظل موقف مخزي ولا يوازي الجريمة من قبل الرئاسة الفلسطينية التي تعاملت مع الجريمة بكل برود أعصاب، وكان أعلى ما طالبت به هو استنكار الجريمة من قبل رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو”.

 

ومع استمرار التصعيد الذي عاشه قطاع غزة من قبل الاحتلال الإسرائيلي واشتداد وتيرته خلال الأيام الأولى من هذا الشهر، بدأت إدارة المؤسسة العمل بخطة الطوارئ التي أعدتها خشية استهداف الاحتلال للمؤسسة، وفي محاولة لتلاشي أي ضحايا في صفوف العاملين بالمؤسسة، فقد اقتصرت ساعات الدوام على أقل من نصف الطواقم، مع نقل مكان العمل خلال ساعات الليل لمقر آخر كبديل عن المقر الرئيسي، وهي خطوات أرهقت إدارة المؤسسة، لكن الحرص على سلامة الطاقم البشري كانت تحتل أولوية عندها.

 

2على صعيدي الشخصي، وبعدما تيقنت بأن الحرب أصبحت بانتظار شرارتها فقط، كتبت مقالاً صحفياً ونشرته في الخامس من شهر يوليو وكان بعنوان “الحرب على غزة وسُبل مواجهتها إعلامياً”، ومن خلاله رصدتُ العديد من التوجيهات والنصائح للزملاء الصحفيين والإعلاميين للتعامل مع العدوان وكيفية نقل الأخبار والمعلومات خلال استهداف الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة، والذي ذكرت فيه بأن المتغيرات المحيطة تقول بأن العدوان على غزة بات مسألة وقت ليس أكثر، وقد حرصتُ في مقالي على تحديد الخطوات التي يجب أن يقوم بها الصحفي الفلسطيني مستدلاً على كل أمر بأمثلة من الواقع المهني الذي صقلته في تغطيات إعلامية خلال اعتداءات ومواجهات سابقة استهدفت من خلاله قوات الاحتلال قطاع غزة.3

 

وفي صباح يوم الأحد الموافق السادس من يوليو من العام 2014م، وبينما كانت عقارب الساعة تُشير نحو العاشرة والنصف، وبينما كنتُ في مكان عملي بإذاعة صوت الأقصى، قطع اجتماعنا لدراسة آليات تنفيذ خطة عمل إذاعتنا في حال شن الاحتلال الإسرائيلي على غزة، وصول خبر من مراسلنا في محافظة رفح تحدث عن استهداف طائرات الاحتلال لأحد أنفاق كتائب القسام شرق محافظة رفح.

 

أكد هذا الاستهداف أن العدوان على غزة بدأ بالفعل، فطائرات ومدفعية الاحتلال اعتادت على شن الغارات على غزة خلال ساعات الليل، أما الاستهداف خلال ساعات النهار، فهذا يشكل خروجاً عن المألوف ومن ورائه أهداف ورسائل أخرى تسعى قوات الاحتلال لإيصالها.

 

مضى الوقت فتكشفت تفاصيل ما جرى، وكان الاستهداف لمجموعة من كتائب الشهيد عز الدين القسام بينما كانوا داخل نفق شرق محافظة رفح، بدأت عمليات البحث عن جثامين الشهداء واستمرت حتى اليوم التالي، حيث شهدت محافظة رفح مسيرة مهيبة لتشييع الشهداء عصر ذلك اليوم.

 

4وبينما كانت مسيرة التشييع تخترق شوارع محافظة رفح، ومن خلال الشعارات التي تم ترديدها خلال المسيرة، وبحكم الخبرة السابقة في هذا المجال، فقد أدركتُ بأن كتائب القسام ستقوم بالرد على هذه الجريمة، فالتصعيد الأخير من قبل الاحتلال دفعها للتفكير بالمبادرة أكثر في مواجهة الاحتلال وعدم الانتظار أكثر من ذلك لاصطياد أحد قادة المقاومة الكبار. يبدو أن كتائب القسام قد حسمت أمرها في وقت سابق واختارت الرد وبقوة على أي جريمة تقترف بحق قطاع غزة، فكانت جريمة رفح هي القشة التي قسمت ظهر البعير.

 

وخلال موجات التفكير هذه، وبعد إعلان الاستنفار في مؤسستنا للدرجة القصوى، فقد أرسلت رسالة في ذلك المساء لمراسلي الإذاعة التي أعمل فيها وبحكم إدارتي لهم كان نصها: “دائرة الأرصاد الجوية الفلسطينية تتوقع هطولا للأمطار اليوم خلال ساعات المساء!!”، في إشارة ودعوة للاستعداد وتوقع الرد من قبل كتائب القسام عقب تشييع شهدائها.

 

مضت الساعات سريعة في ذلك اليوم، واخترت وأبنائي وأهل بيتي تناول طعام الإفطار فوق سطح منزلنا، في ظل انقطاع التيار الكهربائي عن منطقتنا ذلك اليوم، جلسنا ودعونا الله دعاء الصائم الطامع بإجابة دعائه من مولاه. وما إن أذن مؤذن المغرب مُعلنا انتهاء نهار صيام ذلك اليوم، حتى دوت عشرات الصواريخ في سماء غزة بشكل كبير لم نعهده قبل هذه المرة.

 

وبدوي تلك الصواريخ اكتفيت بما تناولتُ به طعامي ونهضت للمتابعة الإخبارية بعد إنزال أبنائي للبيت، وتبين بأن هذه الصواريخ أطلقتها كتائب القسام بشكل كثيف كرد على جريمة الاحتلال بقتل مجاهديها في محافظة رفح جنوب قطاع غزة.5

 

بعد صلاة تراويح ذلك اليوم ومع استمرار المتابعة والرصد الإعلامي والخطوة المقبلة من قبل الاحتلال الإسرائيلي، توارد لأسماعنا أن أهل الضفة الغربية المحتلة وتحديداً في محافظة الخليل خرجوا بعد صلاة العشاء في مسيرة نصرةً لأهل غزة، حيث شاهدوا تكالب العالم عليهم فرفضوا البقاء صامتين، وهو مشهد أدخل الأمل في قلوبنا بأن غزة لن تكون وحيدة إن تعرضت للعدوان، غير أن سعادتنا سرعان ما غابت عنا حينما وصلنا خبر يؤكد بأن الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية قامت بقمع هذه المسيرة، بل واعتدت على نساء واعتقلت آخرين شاركوا فيها، وارتفعت علامات استفهام كبيرة عندنا بعد سؤال لم نجد له إجابة حتى الآن: لماذا قمعت السلطة الفلسطينية تلك المسيرات ولمصلحة من؟ أليست غزة بقعة من فلسطين ويجب نصرتها في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي؟!.