السبت 27 ديسمبر 2025 الساعة 08:38 ص

مقالات وآراء

ثقافة الهزيمة أخطر من الهزيمة

حجم الخط
د.يوسف رزقة

ثقافة الهزيمة لا تدع شيئًا إلا وتناله بالتشويه والتزييف والتحريف. حين تشعر النفس بالهزيمة تبدأ بفقدان ذاتها وتوازنها، وبفقدان البوصلة، ويصير المهزومون تبعًا للمنتصر كما قال ابن خلدون عالم الاجتماع العالمي. ومن ثمة فإن أولى درجات النصر في سلّم من مائة خطوة مثلًا تكون بالانتصار على شعور النفس بالهزيمة. النصر يبدأ بالشعور الذاتي به، والهزيمة تبدأ بالشعور الذاتي بها قبل أن ينتصر العدو بفترة.

 

أقول هذه المقدمة التشخيصية لا لأن ثقافة الهزيمة تنتشر في عالمنا العربي انتشار الغبار في هواء البلاد العربية، أو انتشار عوادم السيارات في عواصم العرب فحسب، بل لأنني ما كنت أتخيل أن تبلغ ثقافة الهزيمة هذا المبلغ الذي جسده خبر عن (منهاج دراسي أردني) يصف الصراع الفلسطيني (الإسرائيلي) على أنه صراع على غرفة يمكن قسمتها بسهولة، ويصف جدار الفصل العنصري بأنه جدار حماية دولة (إسرائيل)، وللتوثيق فأنا أنقل للقارئ نص الخبر كما أوردته وكالات الأنباء وصحيفة رأي اليوم:

 

"أثار نشر صورة لأحد المناهج المدرسية في مدرسة خاصة بالأردن تعتبر أن قضية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي مجرد صراع على غرفة، ما دعاهم لرسم خط فاصل على الأرض ليتقاسم الطرفان الغرفة مناصفة، غضَبَ ناشطين أردنيين على مواقع التواصل الاجتماعي. واعتبر الناشطون أن هذا "تزييف للتاريخ" يتعلق بالقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، كما تبين الصورة سؤالًا موجهًا للطلبة عن مدى السعادة التي سيضمنها هذا الحل، بإقامة دولة ذات ثقافتين مختلفتين فوق أرض واحدة، وكانت والدة إحدى الطالبات في المدارس الأميركية الحديثة نشرت صورة لمنهاج العلوم الاجتماعية للصف السابع، مستهجنة تدريس مثل هذه المناهج في مدارس الأردن. وذكرت أن "جدار الفصل العنصري بالكتاب اسمه جدار حماية (إسرائيل)!"

 

هذا وطالب نشطاء في متابعة الإعلام الجديد وزارة التربية والتعليم في الأردن بمراقبة المناهج، ومتابعة ما يجري في المدارس الخاصة، وقد غطت صحيفة (رأي اليوم) الخبر ومتابعة النشطاء. ومما يجدر قوله والتنبيه إليه هو الكشف عن مدى حرص دولة العدو وحلفائها في العالم على فحص مناهج التدريس في البلاد العربية، ومتابعة ما يجري فيها من تحولات، ودعمها ماليًا، وتوجيهها وجهة تخدم مصالح (إسرائيل) وتقديمها للناشئة وكأنها موجودة في فلسطين بشكل طبيعي، وأنها تمارس حق الدفاع عن النفس في صراعها مع الفلسطينيين والعرب، حتى تساهم هذه الثقافة في إنشاء جيل يتقبل (إسرائيل) ويتعاون معها، ومن ثمة تقوم هذه الثقافة الجديدة بتهوين المشكلة، وتخفيف حدة النكبة، ونفي الأضرار التي يمكن أن تلحق بالبلاد العربية من جراء وجودها.

 

إنه حين انتشرت ثقافة الهزيمة، واخترقت ميدان السياسة والاقتصاد فضلًا عن الجيوش ونظريات الأمن القومي العربي، كان دخولها إلى مناهج التعليم المدرسي سهلًا.

إنه لا غرابة في الخبر الذي نشرته والدة الطالبة في الأردن، ولا قيمة في نظري لنفي وزارة التربية والتعليم الخبر إن تطوعت بالنفي، لأن والدة الطالبة نشرت صورة لمناهج العلوم الاجتماعية، لذا فإن الأمر لا يحتاج لنفي، وإنما يحتاج لمحاسبة، ويحتاج إلى مقاومة ثقافة الهزيمة، والتبعية للمنتصر، ونشر ثقافة تتفاءل بالمستقبل.