السبت 27 ديسمبر 2025 الساعة 01:06 م

مقالات وآراء

لا استرقاق.. ولا عبودية.. ولا للانتحار؟!

حجم الخط
د.يوسف رزقة

يقولون في الأمثال: "قطع الأرزاق من قطع الأعناق". كثير منا يمرّون بالمثل مرور الكرام، ولا يتعمقون في دلالته؛ لأنهم لا يتوقعون أن يحدث هذا، ولا يتعمقون فيه كمشكلة تضاهي الحياة نفسها، حتى إذا استحدثت السلطة الفلسطينية عقوبة قطع راتب الموظف والتوقف عن دفعه له لسبب أو لآخر، أدركنا في غزة في ظل البطالة ما معنى قطع الراتب؟!

 

(حياة الموظف في راتبه. لا حياة مستقرة مع قطع الراتب؟!). الراتب هنا يساوي الرزق في المثل العربي. الرزق بيد الله سبحانه وهو لا يمنع رزقه أحدًا من عباده، ولكن البشر هم من يمنعون رزق الله عن العباد، وأظهر ما يظهر هذا الفعل المعيب في قطع السلطة راتب بعض موظفيها؛ لأنهم اختلفوا معها سياسيًا، أو تجرأ أحدهم على نقدها بصوت مرتفع.

 

بعض من عضتهم جريمة قطع الراتب بأنيابها لا تتحمل نفسيتهم هذا الألم والعدوان، ولا يملكون وسيلة لدفعه عن أنفسهم، لذا تجدهم يلجؤون إلى الانتحار،" فأمس الثلاثاء ٩/٢/٢٠١٦ نجح جهاز الدفاع المدني في غزة بالسيطرة على محاولة أحد الموظفين التابعين للسلطة الفلسطينية الانتحار من أعلى برج إرسال للاتصالات في منطقة محيط جامعة الأزهر بغزة, وأوضح الضابط محمد أبو العمرين أن طواقم الجهاز تمكنت من السيطرة على المواطن وإنزاله عن برج الإرسال بعد أكثر من ساعة ونصف من تهديده بإلقاء نفسه. وأشارت المصادر إلى أن القيادي في حركة فتح إبراهيم أبو النجا وصل لمكان الحادث في محاولة لإنقاذ الشاب من الانتحار".

 

هذه ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها من قطعت سلطة رام الله رواتبهم إلى الانتحار للتخلص من المعاناة والأزمات التي تتولد عادة عن قطع الراتب، وهذه ليست المرة الوحيدة التي تستخف فيها السلطة بحق الموظف في راتبه وهو على رأس عمله. من حقّ الموظف أن يعبر عن موقفه السياسي والفكري خارج عمله وأن يعبّر عن رأيه بحرية في انتقاد السلطة كصاحبة عمل بالتفويض من الشعب.

 

ليس لدي إحصاء عددي بمن قطعت السلطة رواتبهم لأسباب سياسية، أو لأسباب تتعلق بالولاء الحزبي لغيرها، ولكنهم بالمئات، ويزيدون على بضعة ألوف, وبعضهم من حماس، وبعضهم من فتح، بتهمة التجنح، وبعضهم من خارج التنظيمين، والأسباب سياسية، وتقارير كيدية في الغالب.

 

السلطة الوطنية تسيطر على المواطن، وعلى رأيه وفكره وموقفه من خلال السيطرة على راتبه، وهي تعمل على إذلاله به، وتستغل حالة البطالة المتفاقمة فتزيد من استعمال ورقة الراتب لاسترقاق الموظفين. السلطة تعلم خطأ هذا التصرف، وتعلم تداعياته السلبية على الموظف وأسرته ومجتمعه، وتعلم أن تفشي هذه الظاهرة من شأنه أن يخلق مجتمعًا من العبيد لا مجتمعًا من الأحرار.

 

المال العام الذي تجمعه السلطة من الإيرادات الداخلية أو الإيرادات الخارجية (المنح والقروض) يا سادة ليس ملكًا لرئيسها أو لرئيس الحكومة، إنه مال الشعب، والحكومة مؤتمنة عليه بحسن التصرف والتوظيف، فإن أفسدت وسرقت وفشلت وتصرفت بهواها وجب كف يدها عن المال، وعلى الشعب إسقاطها وعزلها واستبدالها وفضح تصرفاتها وفسادها.

 

ظاهرة قطع راتب الموظف لأسباب سياسية لا نجدها في أي من البلاد المتحضرة المسكونة برأي عام واعٍ، وقضاء مستقل، ولكنها كالغول المتغول في بلادنا المحتلة على يد السلطة؟! السلطة الوطنية؟! لا تقطع الراتب عن الموظف العادي فحسب، بل قطعته عن أعضاء المجلس التشريعي، وغيرهم، ولا محاسب، ولا أحسب أن الحلّ في الانتحار؟!.