الإثنين 29 ديسمبر 2025 الساعة 03:26 ص

مقالات وآراء

فلسطين بين تيارين

حجم الخط
أيمن دلول

تعيش القضية الفلسطينية منذ تاريخ صراعها الذي يعتبر الكيان الإسرائيلي طرفه الأساس بين تيارين مختلفين، أحدهما يسحب بناصية الوطن والقضية صوب التحرير ويسير من خلفه الآلاف، ليس من الفلسطينيين وحدهم بل من كافة جماهير العرب والمسلمين، حيث يرون فيه ما تبقى لهم من أمل لتحرير فلسطين السليبة وإعادتها إلى المكانة التي يجب أن تكون عليها حرةً وعزيزةً دون وجود لأي محتل على ترابها ومغتصب لديار أهلها.سهم في اتجاهين

 

أما الفريق الثاني فيقبض على حبل التعاون مع العدو الذي يحتل تراب الأرض ويسيطر على مفتاح البيوت الفلسطينية التي بقيت رافعةً رأسها شامخةً ومحافظة على شكلها رغم محاولات التهويد لها بقوة، بل إن هذا الفريق بات يشدُ أزره باشتداد تعاونه مع الاحتلال الإسرائيلي تحت مبررات واهية، كانت خلال الفترات الأولى من نشأة هذا التيار بمثابة عمالة يتم قتل من يقوم بها بدون تريث.

 

ولتعزيز ما يذهب إليه التيار الأول، فإنه يعملُ على مدار الساعة دون كلل أو ملل، ويطور الأدوات والأسلحة لرجاله رغم التضييق والحصار الذي يتعرض له من القريب والبعيد، وخلال عمله الدؤوب الذي يقوم به شباب ينضون تحت لوائه بعمر الزهور يتعرض هذا التيار لطعنات مختلفة يأتيه بعضها من الأمام وهذا أمرٌ طبيعي لكل جهة تُعدُ العدة بإمكانياتها القليلة لمواجهة محتل ومغتصب الأرض والديار.

 

كما يتعرض هذا التيار لركلات وطعنات يتصدر القيام بها أُناسٌ يعيشون بين صفوفه ويسكنون في حاراتهم وبأزقتهم، ويقعون ضمن الفئات التي يدافع عنها مقاتلوا التيار الأول.

 

يتابع التيار الأول عمله بكل صمت ولا يضيع الجهد والوقت إلا بالإعداد والتجهيز لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي الذي يقتنص الفرص تلو الأخرى للهجوم على قطاع غزة، وهي مسيرةٌ مشرفة يحفر خلالها أحفاد سعد وأسامة وغيرهم بأظافرهم في تراب فلسطين الغالي ليرسموا معالم الخارطة الموصلة إلى القدس، فيرتقي شابٌ هنا وآخر هناك خلال تجهيزهم ليومٍ يسومون خلاله المحتل الغاصب من ذات الكأس التي يُسقيها بكل وقت وحين لأبناء شعبهم ومنذ عقود من الزمن.

 

التيار الثاني وللأسف الشديد لا يصمتُ وهو يتابع الأفعال العظيمة التي يقوم بها التيار الأول، بل إنه جند أبنائه وكوادره وأمواله للطعن والتشكيك فيما يقوم به التيار الأول الباحث عن شعاع حرية في أنفاق شقها عبر تُراب غزة، فتجدهم يتهمون الذين ضحوا بدمائهم في الليالي الظلماء بسهام القذف في الأعراض والجهود التي يقوم بها الذين ترتقي أرواحهم على نواصي طريق الإعداد لمعركة تحرير القدس.

 

لا يكتفي التيار الثاني بذلك، بل إنه جند الكثير من أبنائه لمتابعة أي جهود وخطوات يقوم بها عناصر التيار الأول وتسليم خططته للاحتلال الإسرائيلي الذي يقوم باستهداف عناصر التيار الأول وقتلهم. ومبررات الخيانة التي يقوم بها التيار الثاني فتأتي تحت لافتة “التنسيق الأمني”، في تجميل قذر للكلمة التي تؤدي لفعل حقير تكون نتيجته قتل كل فلسطيني طاهر وشريف يرفع لواء مواجهة من سلب أرضه واغتصب ترابه.

 

الكارثة في هذا الأمر لا تتمثل بتبني التيار الثاني لخيار ونهج التعاون الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي لوأد أي محاولة ثورة تستهدف ذلك الاحتلال، وإنما في حجم الدفاع والتبرير الذي بات يتلقاه التيار الثاني من أبنائه، في مشهد يمثل قيمة القذارة التي يعيشها هذا التيار والانحدار الأخلاقي الذي وصل إليه بعدما كان نهجه “في بداية تأسيسه” إعدام أي عنصر منه يثبت ليس تعاونه مع الاحتلال ضد أبناء شعبه وإنما تفاوضه بدون حمل السلاح مع ذلك المحتل.

 

سفينة التيار الأول بكل تأكيد ستبقى تشق طريقها ماضية نحو هدفها رغم خطورة البحر وتلاطم أمواجه، سيقذفها العملاء والخونة وسيحاولون النيل منها، لكنهم سيفشلون وتنجح هي بالوصول، وستصل إلى نقطة النهاية منتصرةً، حيث ستجد في انتظارها المؤرخين والعلماء والقادة، حينها سيبدأ من ركبوا بالسفينة يحكون قصص الخيانة التي اعترضتهم خلال مسيرتهم ليتم تدوينها في القوائم السوداء من تاريخ الشعب الفلسطيني، بينما سيكون ماء الذهب مداداً للحديث عن الذين حملوا لواء مواجهة الاحتلال لبلادهم رغم قلة الإمكانيات وحصار القريب والبعيد لهم.