يصمت الفاتيكان والعالم المسيحي وحكوماته صمت من في القبور على الانتهاكات التي يتعرض لها المسيحيون في الأراضي الفلسطينية على أيادي التنظيمات الإرهابية اليهودية. وقد وصلت الأمور الأسبوع الماضي إلى حد تهديد تنظيم إرهابي يهودي بذبح المسيحيين في المدينة المقدسة؛ دون أن يصدر أي موقف من الفاتيكان، الذي يمثل حصرياً المسيحيين الكاثوليك أو أي دولة من دول العالم المسيحي. وقد كتب الإرهابيون اليهود شعارات على جدران أحد الأديرة في القدس المحتلة، حيث جاء فيها: «الموت للنصارى الكفار أعداء إسرائيل، انتقام أبناء إسرائيل لن يتأخر». وتعهد الإرهابيون اليهود بـ»بذبح المسيحيين وإرسالهم إلى جهنم، والتخلص من الوثنية مرة وللأبد». يشار إلى أنه منذ العام 2009 أحرق الإرهابيون اليهود 44 مسجداً وكنيسة وديرا في أرجاء الضفة الغربية والقدس وفلسطين الداخل. ويشار إلى أن قساوسة يعملون في القدس اشتكوا قبل عدة أشهر من قيام يهود بالبصق عليهم أثناء تحركهم في شوارع المدينة المقدسة. ويستند قادة التنظيمات الإرهابية اليهودية في تبريرهم إحراق الكنائس في فلسطين إلى أحكام «فقهية» أصدرتها مرجعيات دينية تؤكد أن المسيحية هي ضرب من ضروب «الوثنية والشرك»، وبالتالي لا يجوز السماح بوجود المسيحيين ولا دور العبادة الخاصة على «أرض إسرائيل». ومما يزيد من تشبث قادة التشكيلات الإرهابية اليهودية بهذا «الحكم» حقيقة أنه صدر عن الحاخام موشيه بن ميمون، الذي عاش في القرن الثاني عشر، والذي يطلق عليه «الرمبام»، حيث يعتبر أهم مرجع ديني لليهود، بعد النبي موسى. ويشترط «الرمبام» السماح ببقاء المسيحيين على ما أسماه بـ»أرض إسرائيل» بالتزامهم بالفرائض السبع على ألزم بها أبناء نوح. ومن خلال الاطلاع على نصوص هذه «الفرائض»، كما يعرضها موقع حركة «حباد» الدينية المتطرفة، فإن التزام المسيحيين بها يعني عملياً تخليهم عن ديانتهم، ناهيك عن أن هذه «الفرائض» قد صيغت بشكل يمثل إهانة لكل من يطالب بتطبيقها على وجه الخصوص. وقد جاهر الحاخام بنتسي غوفشتاين، زعيم تنظيم «لاهفا» الإرهابية مجدداً خلال مؤتمر «فقهي» نظم الأسبوع الماضي في القدس المحتلة بدفاعه عن إحراق الكنائس، مستنداً إلى «فتوى» الرمبام. وفي تسجيل صوتي، عرضته معظم وسائل الإعلام الإسرائيلية، أصر غوفشتاين على موقفه، الذي يكتسب أهمية نظراً لأنه يأتي في أعقاب قيام التشكيلات الإرهابية اليهودية بالاعتداء على عدد من الكنائس وإحراق بعضها، كان آخرها كنيسة «السمك والخبز». ولا يقتصر موقف من غوفشتاين على مجرد تأيد «المسوغات الفقهية» التي ساقها «الرمبام» لتأييد الاعتداء على الكنائس، بل أن أفراد عصابته قاموا بإحراق مدرسة في القدس المحتلة، لمجرد أنها تقوم على فكرة الجمع بين طلاب يهود وطلاب مسيحيين». وعلى الرغم من مواقف غوفشتاين وسلوكه تنظيمه الإرهابي، إلا أن كلاً من جهاز المخابرات الداخلية «الشاباك» والنيابة العامة في الكيان الصهيوني يرفضان اعتبار تنظيمه تشكيلاً إرهابياً يتوجب إخراجه من دائرة «القانون» الصهيوني. ويقول عميت جبرياهو، الباحث اليهودي في مجال الأديان إن غوفشتاين وزملاءه يتبنون حكم الرمبام من المسيحيين والمسيحية ويعملون على أساسه، على الرغم من أن هناك آراء «فقهية» لا تتفق معه. وفي مقال نشرته «هارتس» مؤخراً، يشدد جبرياهو على أن تعمد غوفشتاين والكثير من المرجعيات الدينية اليهودية تتجاهل الآراء «الفقهية»، محذراً من أن هذه الاجتهادات تدلل على «توجه ديني موغل في تطرفه ولا يمكن تبريره عماده الكراهية ورغبة في تدشين دولة ترتكز على نقاء عرقي». وأضاف: هذا السلوك هو سلوك من «خلا قلبه من الرحمة والحياء والإحسان»، محذراً من إجراء جدل معهم بناءً على منطلقات مدنية وديمقراطية، على اعتبار أنهم لا يؤمنون بهذه القيم. ويجزم جبرياهو إنه لم يكن للجدل الديني الذي فجره غوفشتاين وزملاؤه من الحاخامات أن يعلو ويسود لولا المناخ العنصري الذي أشاعته النخب السياسية العلمانية في حزب الليكود. ويبدي جبرياهو تشاؤمه إزاء فرص إحداث تغيير في هذا الواقع قائلاً إن صوت غوفشتاين سيظل الأعلى لأن المرجعيات الدينية اليهودية لا تبدي استعداداً لمواجهة خطابه. من ناحيته يحذر الكاتب دف هلبرطل من أن تشجيع المرجعيات الدينية اليهودية على إحراق الكنائس يعني تقديم المسوغات والمبررات للمس باليهود وكنسهم في جميع أرجاء العالم، محذراً من أن هذا التعاطي قد يفضي إلى اندلاع حرب دينية. وفي مقال نشره موقع «وللا» نوه هلبرطل إلى حقيقة أن الكيان الصهيوني قام بناءً على قرار الأمم المتحدة، مشيراً إلى أن تسويغ وتشريع المس بالأقليات سيمس بمكانة الكيان الصهيوني الدولية وشرعيتها.
وشدد على أن الاعتراف بالوجود السياسي لليهود على هذه الأرض مشروط بمدى احترام الأقليات وحقوقها.
ويذكر أن الشرطة الصهيونية قد عثرت في منزل موشيه أورباخ، أبرز قادة الإرهابيين اليهود، على وثيقة تتضمن مخططاً لإحراق الكنائس.
وقد تضمنت الوثيقة التي أطلق عليها «مملكة الشر» إشارة إلى سهولة إحراق الكنائس مقارنة بالمساجد، على اعتبار أن الكنائس تحتوي على أثاث كثير يمكن أن يساعد على الاشتعال.

