سيولة غير معهودة تشهدها تطورات المنطقة العربية، لا تمنح صانع القرار فرصة إعداد تقدير موقف على نار هادئة، بل إنها قد تدفع دولها لاتخاذ مواقف وسياسات قد لا تكون متفقا عليها لدى دوائرها المغلقة، بما فيها (إسرائيل)، التي ترى في تصاعد الخلافات بين دول المنطقة مخاطر قد تتحول إلى فرص في لحظة من اللحظات، وعلى هذا الأساس تحاول البحث عن مصلحة هنا، وفرصة هناك.
المستجد الأهم والأخطر في تطورات المنطقة وفق ما تراه دوائر صنع القرار الإسرائيلي يتمثل بالتدهور التدريجي الحاصل في علاقات الدولتين الأكبر على ضفاف الخليج العربي، ممثلتين بالسعودية وإيران، اللتين يبدو أنهما بصدد دخول نفق طويل من التوتر السياسي والدبلوماسي، ولا أحد يعلم هل سيترجم ذلك إلى سلوك ميداني تصعيدي بينهما، بصورة مباشرة، أم الاكتفاء باستمرار "حروب الوكالة" في سوريا واليمن والعراق.
فيما تشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن المصالحة مع تركيا تقترب رويدا رويدا، وإن بخطى بطيئة، في ظل اتفاق الطواقم الفنية على التفاصيل المتعلقة بالشروط المعلنة لإتمام المصالحة، لا سيما تعويضات الضحايا الأتراك، ورفع الحصار عن غزة، ولم يتبق سوى موافقة الزعيمين المقيمين في أنقرة وتل أبيب للتوقيع النهائي على هذه المصالحة، لطي صفحة استمرت أكثر من 5 سنوات من القطيعة شبه الكاملة.
أنقرة وتل أبيب تقتربان يوما بعد يوم من مصالحة "مصلحية" في ضوء تفجر الموقف في المنطقة، من أقصاها إلى أقصاها، دون أن تتعبد الطريق بالكامل لتطبيع العلاقات، لكن (إسرائيل) قد ترى في عودة الدفء النسبي مع تركيا نوعاً من إدارة الوضع المتأزم في المنطقة، رغم ما يواجه "نتنياهو" من مصاعب شخصية للذهاب إلى مصالحة "أردوغان" خشية اتهامه من قبل اليمين المتطرف، شريكه في الائتلاف، بالخضوع لشروط الأخير، في الوقت الذي يستمع لتوصيات من "المعارضة" بالمضي قدما في هذا الخط، ويا للمفارقة!
قد لا يحتاج المرء لكثير من التفكير حين يرقب التحالف المتنامي بين تل أبيب والقاهرة، التي تعلم جيدا أن الجهد السياسي الذي يبذله الإسرائيليون في عواصم صنع القرار يشكل لها الغطاء الدبلوماسي على مستوى العالم، مقابل ما توفره القيادة المصرية الحالية من استقرار أمني عز نظيره في المنطقة على حدود إسرائيل، في ضوء التعاون الأمني غير المسبوق، الذي تجلى كثيرا في التحليق الجوي الدوري داخل الأجواء المصرية، لاسيما في شبه جزيرة سيناء، ولم يكن ليحصل هذا لولا حالة التناغم القائمة بين دوائر صنع القرار المصري والإسرائيلي.
ربما لم تكن (إسرائيل) في زحمة هذه الفوضى العارمة التي تشهدها المنطقة، بحاجة لمزيد من التوتر الأمني داخل حدودها، وأقصد بذلك اندلاع انتفاضة القدس منذ أوائل أكتوبر الماضي، وتأخذ منحى تصاعدياً يوماً بعد يوم، وهو ما قد يضطرها لإحداث تغييرات جوهرية في سلم أولوياتها الأمنية، بما قد يربك مخططاتها العسكرية الخاصة بمعالجة التطورات الميدانية في المنطقة بشكل عام.
يدرك الإسرائيليون جيداً أن تطورات المنطقة المتلاحقة بحاجة لأخذ استراحة محارب من معالجة الملف الأمني الفلسطيني الداخلي، على اعتبار أن التطورات الداخلية يمكن التعامل معها بين حين وآخر، وقد تذهب إسرائيل لترحيل هذه الأوضاع الأمنية الداخلية إلى أن ينتهي تقييمها للصورة الأمنية الكاملة في المنطقة، وتحديداً على حدودها المحيطة بها في: مصر وسوريا ولبنان والأردن.
هناك سوابق تاريخية تدفع الفلسطينيين لإبداء القلق والخشية من استغلال (إسرائيل) للتطورات الإقليمية الساخنة للانقضاض عليهم، وتثبيت حقائق جديدة على أرض الواقع في غمرة انشغال الدول الإقليمية بصراعاتها وحروبها، ويمكن في هذه العجالة استرجاع ما حصل عام 1982 حين هاجمت (إسرائيل) الفلسطينيين في لبنان، وطردت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية من هناك، في ظل انشغال العرب بالحرب الإيرانية-العراقية، فيما انتهزت تل أبيب الحرب العالمية ضد تنظيم القاعدة عام 2001 عقب أحداث سبتمبر، وذهبت في عهد "أريئيل شارون" لمحاصرة الرئيس ياسر عرفات، تمهيدا لاغتياله، دون أن يجد هذا الحدث الجلل ردود فعل تليق به.
أخيراً... لا يرى الإسرائيليون واقعاً أفضل مما تحياه المنطقة العربية، من تقسيم المقسم وتفتيت المفتت، ودخول الدول العربية في أتون صراعات داخلية وحروب أهلية ونزاعات دامية، وهو ما يجعلها تؤجل معالجة التهديد الإسرائيلي الأساسي لها، بحيث يتراجع رويدا رويدا، رغبة منها بالتفرغ لحل مشاكلها الداخلية، وإلى حين تنتهي هذه المشاكل، تكون إسرائيل أكثر قوة وأقوى مناعة.


