الإثنين 29 ديسمبر 2025 الساعة 10:21 ص

مقالات وآراء

شمعة الأمل.. والاستبداد

حجم الخط
د.يوسف رزقة

إذا كانت كلفة (الاستبداد) عالية جدًّا، وتتفوق على كلفة الثورة الشعبية، فماذا على الشعوب أن تعمل وهي واقعة تحت سلطة من خلال الخديعة، وسلطة الجيش والمال، من ناحية، ومن خلال تعاون القوى الدولية الكبيرة مع المستبدين، ونصرتهم على شعوبهم وثوراتها، من ناحية أخرى.

 

الشعوب العربية هنا واقعة تحت عدد من السلطات المستبدة ومنها :

 

١- الحاكم المستبد، الذي خدع شعبه، وتمسكن حتى تمكن، وأدار ظهره للشعب، ولمفاهيم الديمقراطية والحريات.

 

٢- سلطة الجيش والأجهزة الأمنية، وسلطة السجون والمعتقلات وسلطة الإعلام، وسلطة القضاء (الملاكي) للحاكم المستبد.

 

٣- سلطة المال والوظيفة، وسلطة الأراضي، ورجال الأعمال، وما يرتبط بها من تجارة وصناعة وأعمال.

 

٤- سلطة الدول الكبرى الخارجية التي تفرض مصالحها الذاتية على الوطن من خلال الحاكم، في مقابل مظلة الأمن التي توفرها له للبقاء في الحكم، وربما لحماية مصالحه ومصالح عائلته أو طائفته. وفي مركز هذه السلطة الخارجية تقع دولة العدو الإسرائيلي التي يخطب ودها علنًا وسرًا قادة الاستبداد.

 

هذه السلطات التي أنشأها الاستبداد نفسه، أو تلك التي ربطت نفسها بالاستبداد من خلال الخدمات والمصالح، هي ما تسميه الثقافة المصرية (بالدولة العميقة)، وهي الدولة التي تمثل الحصن الحصين للاستبداد، وهي شريان حياة الاستبداد للبقاء، لذا كشفت التجربة المصرية والتونسية واليمنية والسورية والليبية وغيرها أنه لا بد من قطع هذا الشريان، وإسقاط مكونات الدولة العميقة، مع سقوط رأس النظام بصفته عنوان الاستبداد.

 

إن أعمق درس، وأبلغ درس، والدرس الأكثر فائدة، مما يمكن أن نقف عليه من تجارب ثورات الربيع العربي، هو أن سقوط رأس الاستبداد لا يكفي البتة لنجاح الثورة، وإحداث التغيير، والانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية، إذ لا بد من إسقاط مكونات الدولة العميقة بصورة مستعجلةٍ, وتالية مباشرة لإسقاط رأس الاستبداد، وإن أي تراجع في هذه المهمة، أو تأجيل لها، أو محاولة احتواء لبعض مكوناتها، سيحرم الثورة من فرصة النجاح، وسيتيح فرصة جيدة جدًا للثورة المضادة بقيادة الدولة العميقة للعودة إلى الحكم والانتصار على الثورة الشعبية، وعندها تكون الكارثة؛ لأن سيف الثورة المضادة والدولة العميقة سيكون أكثر حدّة، وأقطع لرؤوس الثوار بلا عدالة أو محاكمة حقيقية، من ذي قبل، وستصبح الثورة الشعبية في سلطة الإعلام فوضى وإرهابًا يتبرأ منه كل خائف وكل صاحب مصلحة أيضًا.

 

في ضوء ما تقدم ربما تبدو الصورة قاتمة مع عودة الاستبداد لأكثر دول الربيع العربي، غير أن شمعة الأمل لا تزال مشتعلة في نهاية نفق الاستبداد الطويل، إذ ما زالت الثورات العربية تدافع عن نفسها، وتقاوم الاستبداد، وترفض الاستسلام، وهي في كل يوم تكسب شيئًا جديدًا؛ لأن الاستبداد ليس خيارًا، ولا يستطيع إخفاء عيوبه، أو خداع الشعب وتضليله. معركة الثورة مع الاستبداد بدأت في البلاد العربية، وحالة المدافعة قائمة ومستمرة، ولن تتوقف إلا بانتصار الشعوب والعدالة، وهزيمة الاستبداد هزيمة نهائية، وحسب الشعوب أن يتحقق لها النصر فقط في واحدة من الدول العربية المؤثرة حتى ينفرط عقد الاستبداد تباعًا في أزمان وجيزة، وحسبي أني أرى ذلك متحققًا بإذن الله في عامنا هذا، عام ٢٠١٦ م، حيث لم يعدّ ثمة مبرر واحد لبقاء الاستبداد، بغض النظر عن شكله ولونه ومكانه. اللهم اجعل هذا الأمل حقيقة في أقرب الآجال. آمين.