شكل قيام الجيش المصري بقتل الفلسطيني إسحاق نصار الذي تخطى مياه البحر المتوسط لبضعة أمتار فقط في الجانب المصري بخمسة عشرة رصاصة صدمةً لدى الكثير من الفلسطينيين والعرب لاعتبارات مختلفة، تمثلت في التالي:2
المواطن الذي دخل كان عارياً من كامل ملابسه، وبالتالي فقد أظهر التصوير بأنه أعزل ولا يُشكل أي تهديد ليتم التعامل معه بالرصاص على الفور، وكان بالإمكان القبض عليه ومعرفة أسباب تخطيه للمنطقة الحدودية بدون إطلاق أي طلقة واحدة.
دخول مواطن لمياه البحر وفي منتصف شهر ديسمبر البارد يؤكد بما لا يدعُ مجالاً للشك أنه شخصٌ غير سوي، وبالتالي فالتعامل مع مثل هذه الحالة يجب أن يكون بحكمة قبل البدء بإطلاق النار.
ظهر في التصوير ضابط أمن فلسطيني لا يبعد سوى أمتار معدودة عن الجنود المصريين وطالبهم وبأعلى صوته التوقف عن إطلاق النار، كون الفلسطيني المستهدف فاقد للعقل والأهلية، لكنهم لم يستمعوا له وواصلوا إطلاق النار.
بعض الإعلام المصري خرج بصور المواطن “نصار” بعد قتله وكتب خبراً مزوراً بأن الشخص الذي يظهر في الصورة هو إسرائيلي تم إعادته لدياره بعد عشرة أيام من احتجازه، وبعض الإعلام ظهر بمظهره الوقح كالعادة وأشاد بعملية قتل هذا “العدو” المفترض المتمثل في مواطن فلسطيني غير سوي.
بكل ذل وانحدار يتعامل الجيش المصري مع الإسرائيليين الذين يدخلون مصر ويتجولون في مدينة شرم الشيخ وبكل حرية، وتوجيه الاهانات للمصريين دون أن ينطق أحدهم بكلمة عن السيادة وحدود البلد كما ينعق بعض من يسمون أنفسهم بـ” إعلاميين”.
باستمرار يقوم الاحتلال الإسرائيلي بقتل أي مصري وسواء كان مجنداً أو مدنيا بمجرد اقترابه لمئات الأمتار من الحدود الإسرائيلية المصرية، ولا يتحدث الجيش المصري صاحب نظرية السيادة بكلمة شجب أو استنكار، وإنما يُقتل أبناؤه بينما تخرس ألسنته عن الحديث، بل تواصل الانحناء أمام بساطير جنود الاحتلال الإسرائيلي.
وأهم ما في الأمر أن الذي دخل الحدود المصرية فلسطيني يعيش في بلاد تجاور مصر وتجمعها بشعبها كل علاقات اجتماعية وصلت لأبعد درجات المودة والمحبة، وليس انتهاء بعلاقات الزواج بين الفلسطينيين والمصريين. كما أن المواطن “حسان” يشترك مع مصر في القومية فهو “عربي”، وهو يشترك كذلك برابطة العقيدة معهم، وبالتالي فكل الروابط البشرية تقول بأن عملية إطلاق النار لم تكن في محلها.
ولأجل ذلك وغيره، فقد أطلق العديد من النشطاء هاشتاق عبر وسائل الإعلام الجديد أسموه “ليش_قتلوه” في استهجان واضح لجريمة قتل الفلسطيني إسحاق نصار الذي تحدثت عائلته بأنه فاقدٌ لوعيه، ويعاني من حالةٍ نفسية غاية في السوء.
لم أكن مستغرباً للغاية من قتل الجيش المصري للمواطن “حسان”، فهو النظام الذي حمل لواء الحرب والعداء لأهل فلسطين الذين لم يقوموا بأي عداء أو تدخل في الشئون المصرية، بل حملوا لواء المحبة والمودة تجاه الشعب المُحب لفلسطين وأهلها، ولم يثبت أي دليل ملموس لما يروجه الإعلام المصري “السافل” عن اعتداءات وتدخل للفلسطينيين بالشئون المصرية.
لقد كان متوقعاً أن يقوم الجيش المصري بالقتل بعدما صمت الشعب الفلسطيني على الإهانة غير المسبوقة التي يمارسها الجيش والنظام بحق المواطنين الفلسطينيين خلال سفرهم عبر الأراضي المصرية، وكان متوقعاً أن التعامل غير المتكافئ من الفلسطينيين تجاه اختطاف أربعة من خيرة شبان غزة وإنكار ذلك من الجيش المصري وتعذيبهم بأقسى أشكال التعذيب في السجون المصرية رغم امتلاكهم كافة الوثائق الرسمية للمرور عبر الأراضي المصرية، وكان متوقعاً أن قيام النظام المصري بتحريض الاحتلال الإسرائيلي تجاه غزة وعدم الرد المناسب من أهالي غزة سيقابله تصعيد مصري، وكان متوقعا كذلك التصعيد من قبل الجيش المصري نتيجة الصمت على غمر وتدمير مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية بالمياه المالحة والعادمة، بل سيواصل الجيش والنظام المصري توجيه اللطمات والإهانات لأهالي غزة ما داموا يردون على الإهانة باحترام.1
إن ما يختصر حكاية المشهد وتعامل الجيش المصري مع غزة بهذا الشكل يلخصه المثل القائل “إذا أكرمت اللئيم حقد عليك وإذا أكرمت الدنيء تجرأ عليك”، وبالتالي فالجيش والنظام يجب أن تكون العلاقة معه قائمة على مبدأ الند، وليس الأمل بتحسن العلاقات، فالواضح بأن الجيش المصري بات يفهم تعامل غزة بهذا الشكل من باب الضعف والذل والهوان، وما دام يتعامل كذلك، فمن وصل لهذه الدرجة من الخسة والدونية والنذالة فلا ينفع التعامل معه على أنه كريم، ويجب وضعه في الخانة التي يستحق، فهو لئيم ودنيء باختصار ويختلف كثيراً عن شعبه الذي يحمل كل احترام وتقدير لأبناء عروبته الفلسطينيين.


