عرفته منذ سنوات من خلال عمله الصحفي والإعلامي، تواصلتُ معه في أكثر من مناسبة للحديث عن هموم المهنة التي تجمعني أدق تفاصيلها وإياه، في كل مرة هاتفته أو كان هو المبادر بالاتصال لحظت من حديثه أنه يمتلك هماً كبيراً في نشر عدالة القضية الفلسطينية لمختلف أرجاء العالم.
ولأجل مواقفه المشرفة الفاضحة لجرائم الاحتلال الإسرائيلي بحق أبناء شعبه الفلسطيني المتمسك بأرضه، يدفع الضريبة الزميل والكاتب الصحفي محمد القيق من سنين عمره ومن لحم جسمه الذي بات وزنه ينخفض لاستمرار إضرابه المفتوح عن الطعام داخل سجون “إسرائيل”.
حكاية إضراب الصحفي “القيق” صفحة من صفحات الظلم الواقع على كاهل كل فلسطيني يدافع عن عدالة قضيته ويتصدى لكل محاولات منع نقل معاناة المواطن البسيط إلى العالم. هي حكاية تتقاطع تفاصيلها مع أكثر من طرف، ليس استثناءً منها السلطة الفلسطينية الرافضة لأي أشكال عداوة مع الاحتلال الإسرائيلي على حساب أبناء شعبها.
السجن لدى الاحتلال وسام شرف للزميل “القيق” وكل أبناء الشعب الفلسطيني، غير أنه يجب ألا يغيب عن أذهاننا بأنه امتلك أوسمة أخرى في غير هذه المرة لدى الاحتلال ولدى السلطة الفلسطينية “رائدة التنسيق والتعاون الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي”. صحيحٌ أن الزميل “القيق” قد يفتخر وهو يتحدث عن تجاربه الاعتقالية في سجون الاحتلال، غير أن شعوره سيكون مغايراً تماماً حين الحديث عن محطات الملاحقات والاعتقالات والاستدعاءات التي تعرض لها من قبل أجهزة أمن السلطة الفلسطينية باختلاف أسمائها.
قبل أيام حدثني زملاء “القيق” ومسئولوه المباشرون في العمل بقناة المجد الفضائية، حينها أخبروني عن امتعاضهم الشديد لغياب التضامن والتفاعل المطلوب معه من قبل المؤسسات الفلسطينية ذات الاختصاص، لكنني حمدتُ الله على أنهم لم يعلموا بما يدور خلف كواليس السلطة الفلسطينية من التآمر على كل حامل للواء مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، حتى وإن كان بالكلمة والصورة مثل ما يفعل “القيق”.
أحمد الله تعالى أن قناة “المجد” التي يعمل “القيق” مراسلاً لها من الضفة المحتلة لم يصلها تفاصيل كيفية تعامل أحد كبار قادة السلطة الفلسطينية، فبعد أن هاتفته زوجة “القيق” أكثر من مرة وألحت عليه بضرورة التحرك الفاعل لنصرة زوجها والتركيز على قضيته ولو من خلال إصدار بيان على الأقل موقع باسم مؤسسة ذلك المسئول، كلف نفسه أخيراً بالرد عليها وليته لم يفعل، فقد قال لها بالنص: “أدعوكم لأن تطلبوا من الصحفي محمد كسر إضرابه، فلن تستجيب “إسرائيل” له ولندائه..”. هذا المسئول الذي أتحدث عنه بالمناسبة يخرج بشكل شبه يومي أمام الفضائيات وله حضوراً إعلامياً كبيراً وصدع رؤوسنا متحدثاً عن الوطنية ومواجهة الاحتلال، فكيف يمكن تبرير موقفه هذا؟ وفي أي مجتمع بشري يتم التفريط بأبناء البلد بهذا الشكل؟. غير أن هذا الموقف من جانب ذلك المسئول لا يبدو مستغرباً من سلطة باعت قضيتها وشعبها لصالح الاحتلال الإسرائيلي فنسقت وتعاونت، بل وسلمت أبناء شعبها على طبق من ذهب للاحتلال، وما دامت تلك السلطة عزلت وزيراً بجرة قلم لأنه أرسل رسالة لجمهورية مصر العربية للمطالبة بمعرفة مصير أربعة من خيرة أبناء قطاع غزة الذين اختطفتهم السلطات المصرية خلال سفرهم للعلاج، فليس مستغرباً بالفعل أن نرى كل شيء يصدر عن هذه السلطة ومؤسساتها لا يتفق وكافة نواميس البشر والإنسانية.
كنت أتمنى رؤية من تعتبر نفسها بيت الصحفيين الفلسطينيين الأول “نقابة الصحفيين الفلسطينيين” تنتفض وتُربك كل نقابات العالم للضغط على الاحتلال في سبيل الإفراج عن الزميل “القيق” وكل الصحفيين المعتقلين لدى الاحتلال الإسرائيلي، غير أننا وللأسف الشديد يوم أن رهنا كل مؤسساتنا الوطنية للحزبية المقيتة فقد باتت كفة ميزان العدل لدينا عوجاء، ليس في الوضع الداخلي فقط، وإنما في القضايا التي يكون المجرم فيها الاحتلال الإسرائيلي.
بعد أن ساء الوضع الصحي للزميل “القيق” وانخفض وزنه واصفر لون بشرته وبات وجهه شاحباً، وبعد اتصالات متكررة على نقابة الصحفيين الفلسطينيين من قبل عائلته للقيام بدورها في الدفاع عن أحد أبنائها تحركت وليتها هي الأخرى لم تفعل. لقد شارك اثنين من أعضاء مجلس إدارتها فقط في اعتصام باهت أمام منزل عائلته بالخليل ولم يحضر النقيب، بل إنهم لم يجلبوا معهم ولو يافطة واحدة مُذيلة باسم “نقابة الصحفيين الفلسطينيين” للمطالبة بالإفراج عن “القيق”، حتى أنهم رفضوا الحديث بكلمة خلال الاعتصام.
ما دامت النقابة فعلت ذلك فكان الأجدر بها ألا تُرسل أحداً وتُكمل مسلسل النوم والسُبات العميق الذي تحياه منذ أن رضينا على أنفسنا معشر الصحفيين أن يقودنا ضابط الأمن تارةً، والمرتبط بأجندة حزبه على حساب مصالح أصحاب المهنة الواحدة في وقت آخر.
إن الحديث عن الواقع الفلسطيني يعتريه الكثير من الشجون، ويبدو أن حديثي عن الزميل “القيق” قد أوهمني لبعض الأوقات بأن السلطة الفلسطينية ونقابة الصحفيين يمكن أن يتحركوا لخدمة الصحفي الفلسطيني، لكن قبل المتابعة أجبرني قلمي على التوقف عن نسج آمال لا توجد إلا في الأوهام، وذكرني قائلاً: استيقظ من نومك يا هذا.. أتريد من النقابة أن تتحرك للضغط باتجاه تفعيل قضية إضراب “القيق” وهي ذاتها التي لم نسمع لها موقف بينما أصدرت مكمة بداية نابلس التابعة للسلطة الفلسطينية وبالتزامن مع إضراب “القيق” قراراً بضرورة القبض على الزميل الصحفي “وليد خالد” مدير تحرير صحيفة فلسطين سابقا بالضفة الغربية المحتلة واعتبرته فاراً من وجه العدالة، وهو القابع في سجون الاحتلال الإسرائيلي إدارياً.
معذرةً أخي “محمد القيق” ومعذرةً أخي “وليد خالد”، فإن اختلفت موازين عدالة البشر بحقكم، فحتماً لن تجرؤ تلك الموازين على ظلمكم حينما تُعرضون وإياهم على ميزان عدالة رب البشر. وإن كانت فئة قليلة من الجاثمين على صدور أبناء شعبكم هي من تُحدد في زماننا هذا الشريف من الخائن، فأبناء شعبكم الشرفاء يعرفون مكانكم وهم أكبر من أن يقف في وجههم ظلم باطل من الاحتلال أو ذوي القربى المتآمرين معه، وهي مسيرة حتماً ستصل إلى نهايتها وإن طال زمانها.


