السبت 10 يناير 2026 الساعة 12:25 م

مقالات وآراء

“حماس” في ذكرى انطلاقتها.. ثباتٌ على المبادئ وحتميات المراجعة

حجم الخط
أيمن دلول

ثمانيةٌ وعشرون عاماً مضت وحركة المقاومة الإسلامية “حماس” لا يزال وهيجها ينتشر، ليس في الأراضي الفلسطينية التي انطلقت على1 ترابها وحدها، وإنما بات يتجاوز الأسلاك الشائكة التي أبدعت العديد من الدول العربية والغربية على الإحاطة بها حول عنق الحركة، غير أن تلك الحركة باتت تتجاوز كل تلك الأشواك بشكل بالغ السرعة مقارنة في قراءة تاريخ الأمم، فهي حركة فتية حققت خلال سنوات عمرها القصيرة بمعايير الزمن البشري ما لم تحققه العديد من الأنظمة السياسية التي ضربت جذورها في عمق التاريخ لمسافات طويلة.

 

وفي ذكرى انطلاقة الحركة السنوية سيكون من الإجحاف إنكار أو عدم التطرق لصفحات مشرقة من تاريخ هذه الحركة، ويكفي القضية الفلسطينية فخراً وشرفاً أن سجل مجدها السياسي والعسكري والمقاوم عرف بكل فخر حركة مثل “حماس”، فهي الحركة التي تمكنت عبر سنوات عمرها المختلفة من تصحيح مسار البوصلة الفلسطينية بعدما انحرفت أكثر من مرة وباتت تتحرك في اتجاهات شتى بفعل اتفاقيات التسوية السلمية التي أبرمتها منظمة التحرير الفلسطيني بقيادة حركة “فتح” مع الاحتلال الصهيوني.

 

شهدت الحركة منذ توزيع بيان انطلاقتها الأول في الرابع عشر من ديسمبر عام 1987م منعطفات ومحطات مختلفة، اخترقت في غالبها الصفوف وزاحمت على المقدمة دوماً، فلم ترضَ القبول بأقل من أحقية الشعب الفلسطيني في أرضه وترابه، وللحق فقد خدمت الحركة القضية الفلسطينية في الكثير من المواقف والمحطات، الأمر الذي جعلها عرضةً للكثير من المؤامرات والمخططات الدنيئة لمحاولة استئصالها وتغييبها عن المشهد السياسي الفلسطيني، وللأسف فالكثير من هذه المؤامرات يتم تنفيذها بأيدي فلسطينية.

 

قدمت الحركة الكثير من أبنائها وقادتها أسرى وشهداء ومصابين في سبيل الثبات على المنهج الذي وضعته لنفسها، فجعلت من دماء أبنائها وقوداً يشعل مصابيح الشعب الفلسطيني في الطريق نحو الحرية والاستقلال، باختصار فهي حركة تستحق أن يتم تسجيل تاريخ إنجازاتها بأحرف من نور وماء الذهب.

 

وعلى الجهة الأخرى، لا يُنكر أحد بأن من يعمل يخطئ ويجانب الصواب في بعض الأوقات، فحركة مثل “حماس” تجاوزت الصواب في العديد من المحطات والجولات، وهي محطات لا بُد من إجراء مراجعات ومحاسبات واعية لها إن ثبت مسئولية أي شخص للوقوع في إخفاقاتها، والقيام بها بعيداً عن توجهات الحركة ورؤية أطرها التنظيمية المختلفة.

 

خلال السنوات الخمسة الأخيرة على الأقل، حقق الجناح العسكري للحركة “كتائب الشهيد عز الدين القسام” خطوات متطورة وواثقة في طريق مواجهة الاحتلال الصهيوني والتغلب على آلته العسكرية والأمنية، لكن وإن كان العسكر أحد أجنحة حركة “حماس” المهمة غير أنه ليس الوحيد، وبالتالي فلا يجب حصر انجازات “حماس” في العمل العسكري فقط، وعليها النظر لباقي الملفات الكثيرة والأجنحة المختلفة التي تنضوي تحت لواء الحركة.

 

من الجيد بعد هذه السنوات من تاريخ الحركة إجراء مناقشات داخلية معمقة داخل الأروقة المختلفة للحركة تتعلق بقضايا مختلفة، سواء داخل الحركة أو على تأثير مباشر معها من قبيل خيارات الحركة الإسلامية في التعامل مع منظمة التحرير الفلسطينية وحركة “فتح” والسلطة الفلسطينية، وكيفية التعامل مع ملفات مختلفة داخل الساحة الفلسطينية وإمكانية التراجع عن خطوات قامت بها الحركة مثل: اتفاق المصالحة الفلسطينية ومعبر رفح ورؤية المقاومة الفلسطينية للسنوات المقبلة وقطاع غزة، وبخاصة بعد تنصل حكومة رامي الحمد الله من مسئولياتها.

 

وبالإضافة إلى ذلك فيجب أن يكون الملف العربي والدولي حاضراً على طاولة البحث المعمقة داخل الحركة ومثله موضوع العلاقة مع مصر التي أهانت الحركة أكثر من مرة واختطفت أربعة من خيرة أبنائها ولا تزال ترفض الإفراج عنهم وإغراق حدود قطاع غزة، بالإضافة إلى ضرورة تحديد الحركة موقفها واضحاً تجاه العمل الاستخباراتي التي تسعى العديد من أجهزة المخابرات العربية لتنفيذه وبخاصة داخل القطاع المحاصر.

 

ومن أبرز المراجعات التي يجب أن تدور داخل الأطر التنظيمية للحركة مناقشة الملفات والشرائح المختلفة ونسبة تمثيلهم داخل الأطر القيادية للحركة وهم أصحاب أثر في العمل اليومي للحركة وأفضل من باقي التنظيمات الفلسطينية، لكن تمثيلهم لا يزال ليس بالمستوى المطلوب، وهم يمثلون قطاعات كبيرة في الحركة مثل: قطاعات المرأة والشباب والمثقفين والكفاءات العلمية.

 

إن الحديث عن المراجعات منهاج يتخذه “الكبار” ويمنحونه أولوية كبيرة خلال مسيرة عملهم؛ لأنهم يدركون باختصار أن العمل البشري يكتنفه الخلل وهو بحاجة للدراسة والتقويم وإعادة ترتيب الأولويات بين فترة وأخرى، وإن كانت مسألة المراجعات والمطالبة بالتقويم يقابلها العديد من الناس وليس فقط داخل الأحزاب فقط بحالة من الرفض، بل والإجهاض في مهدها؛ لإدراكهم بأن المراجعة والتقويم الصحيح والدقيق لن تجعلهم يبقون في أماكنهم وقد يشاركهم آخرين في أماكنهم، وربما يجلسون في أماكنهم لفترة من القيادة والريادة لا يجب أن تكون حصراً على شخص أو شريحةٍ بعينها.