الإثنين 05 يناير 2026 الساعة 06:03 ص

مقالات وآراء

ضمّ الجولان.. وحلٌّ أحاديٌّ في الضفة

حجم الخط
د.يوسف رزقة

قلنا في مقالات سابقة إن نتنياهو (لا يرفض) الاتفاق الأميركي مع إيران، ولكنه (يعارضه، أو قل يتحفظ عليه) لكي يستثمره جيدا لخدمة مصالح ( إسرائيل). قالوا بعد الاتفاق : إنه ثمة خلاف كبير بين نتنياهو وأوباما، وإن نتنياهو أخذ يلعب في الحديقة الخلفية للحزب الديمقراطي، ويجند أعضاء الكونغرس للعمل ضد الاتفاق الإيراني. ونحن نؤكد وجود ( اللعب- والتجنيد)، ولكن ليس لرفض الاتفاق من حيث المبدأ، وإنما لاستثماره بابتزاز البيت الأبيض من ناحية، والحصول على ضمانات إضافية من إيران، وتوظيف موقفه لإحداث شراكة ما مع السعودية ودول الخليج.

 

نتنياهو يدير دولة نووية، هي السادسة في العالم عسكريا، فهو لا يخشى تهديدات إيران العسكرية، ولكنه يستثمر هذه التهديدات على طريقة اليهود في ( الاستثمار الربوي ) في أكثر من ملف إقليمي. ويبدو أن زيارته الحالية للبيت الأبيض ، ولقاءه مع الأطراف الأميركية واليهودية، قد كشفا عن بعض هذه الاستثمارات.

 

ففي ملف الاتفاق الأميركي مع إيران اقترح نتنياهو التعاون مع إدارة أوباما للحصول معا على ضمانات تنفيذ من إيران تضمن عدم حصولها على السلاح النووي، وتضمن عدم توريدها الأسلحة لأعداء ( إسرائيل).

وفي الملف السوري، يقول نتنياهو : إن حلا سياسيا يجري إعداده والاتفاق عليه، ونتنياهو لا يدري كيف ستكون خارطة سوريا، وهل ستعود سوريا إلى سابق عهدها؟! وهو بالطبع لا يؤيد عودتها موحدة، لذا هو يطلب من أوباما الموافقة على ضم الجولان ( لإسرائيل).

 

وتنقل وكالات الأنباء من كلامه أمام معهد التراث الأميركي أول من أمس قوله :"لا أريد أنْ تُستخدم سوريا كقاعدة لإطلاق الصواريخ ضدّنا. لن نسمح لإيران بإقامة قاعدة في الجولان. ولن نسمح بأنْ يُهاجمنا الجيش السوريّ أوْ أيّ طرف آخر، ولن نسمح باستخدام الأراضي السورية لنقل الأسلحة المتطورة إلى حزب الله في لبنان. وأنا لست واثقًا من إمكان إعادة تركيب الخريطة وإعادة سوريا إلى سابق عهدها".

 

لقد رتبّ نتنياهو أوراقه مع (بوتين ) قبل التدخل العسكري المباشر للروس في سوريا، وأظنه حقق كل مطالبه في الملف السوري. وهو الآن في مفترق طريق يستوجب قطعه بترتيب اتفاق مع أوباما، يضمن ضمّ الجولان إذا أمكن، لأن سوريا ذاهبة في رأيه للتقسيم، وهناك تهديدات كبيرة لدولة الاحتلال من تنظيم الدولة، من ناحية، ومن حزب الله وإيران من ناحية ثانية، ومن المعارضة التي يمكن أن تسيطر على دمشق. هذه التهديدات كافية في نظره لإقناع البيت الأبيض بتغيير موقفه القديم، وتأييد مشروع ضم الجولان.

 

ليس كاليهود أحد في الاستثمار الربوي، وفي انتهاز الفرص، وابتزاز الدول، وقد نجحوا في ابتزاز ألمانيا، وفرنسا، وأميركا، واليوم لديهم فرصة ذهبية للابتزاز والاستثمار من خلال ملف الإرهاب، وملف إيران، وملف النزاعات العربية الداخلية والمذهبية. ولا يتوقف استثمار نتنياهو هذا عند الجولان، بل يتعداه إلى الملف الأهم وهو الملف الفلسطيني، وبالذات القدس والأقصى، وهنا يجدر بنا قراءة ما قاله:" إنّ مشكلة القدس والمسجد الأقصى لا حلّ لها؟! ... وإنه لا يستبعد بالمرّة قيام إسرائيل بخطوات( أُحادية ) الجانب في الضفّة الغربيّة المُحتلّة؟! و إنّ الخطوات أُحادية الجانب في الضفّة يجب أنْ تُعطي الإجابة عن شروط الأمن الإسرائيليّة؟!، وأنْ تكون جزءًا من تفاهمات دوليّة؟!"

 

إن زيارة نتنياهو هذه تعد من أخطر الزيارات التي قام بها إلى واشنطن في ظل حكم أوباما. وهي تأتي في وقت قريب من الانتخابات الأميركية، حيث يحرص الحزبان الجمهوري والديمقراطي على استرضاء الناخب والممول اليهودي، وهو عند اليهود في التوقيت موسم الحصاد؟! لذا فإن نتنياهو في زيارته هذه لا يذهب للتباحث والنقاش، بل يذهب لإعلان ما يريد، وتقرير ما يريد، وأخذ الموافقة على ما يريد، وفي أضعف الأحوال على جل ما يريد. لذا يجدر بمن يعنيه الأمر الاهتمام بهذه الزيارة ، وبهذه التصريحات، وبناء إستراتيجية مواجهة، وعدم ترك الساحة فارغة لنتنياهو.