لا يمكن مساواة الضحية بالجلاد ومساواة الدم الفلسطيني بالدم الإسرائيلي، أو خلق واقع سلام ومحبة في ظل احتلال، كل تلك الأشياء يمكن إنتاجها فقط في مختبرات مثل أوسلو وقد تنجح الأمور سنة أو ثنتين أو حتى عشرة تحت ظروف قاهرة تخالف الفيزياء والكيمياء وطبيعة الأشياء، ولكن في النهاية ستفشل التجربة وتنفجر الخلطة وتعود الأمور إلى طبيعتها، وما يحدث الآن في الضفة الغربية من انتفاضة في وجه المحتل ما هي إلا عودة للأمور إلى طبيعتها لأن الطبع دائما يغلب التطبع والتطبيع، فعلاقة الشعوب المحتلة علاقة حرب وانتفاضة وكراهية مع من يحتلها ويسيطر على أرضها ومقدساتها وحريتها، بل ويستعبدها في عصر انتهى فيه الرق والعبودية.
انتفاضة القدس دخلت شهرها الثاني بقوة وهي في مدينة خليل الرحمن أشد من غيرها من المدن ؛ لأن الخليل تعرضت لجرائم أكبر من غيرها، ولأنه تم زرع بضع مئات من اليهود في قلبها، ولا يمكن لمئات الآلاف من الفلسطينيين أن يقبلوا إلى الأبد وجودهم وخاصة أنهم يعيثون في الخليل فسادا ويدنسون المقدسات ويخنقون أهل المدينة ويعربدون ليل نهار، وأعتقد أن البعض وجد في انتفاضة القدس فرصة مناسبة لطرد اليهود من الخليل, كما أعتقد أن اليهود باتت لديهم قناعة أن الضفة الغربية لم تعد آمنة وخاصة في الأماكن المكتظة مثل الخليل، وانتفاضة شعبنا لن تقتصر على مدينة دون سواها فهي في حالة تصاعد وتمدد حتى تحقق أهدافها.
مع انتفاضة القدس انتهت نظرية "الحياة مفاوضات" ونظرية "الاحتلال السهل والمجاني"، هناك شعب يسعى إلى التحرر والتخلص من الاحتلال, ولا يمكن الوقوف ضد تطلعاته المشروعة، ولا بد للقيادات الفلسطينية أن تسير في نفس الاتجاه لا بعكس التيار، كما أنه لا بد للأمة العربية أن تدعم هذا التوجه وأن تتوقف عن محاولة إحياء اتفاقات ومبادرات ماتت مثل اتفاقية أوسلو أو دفنت في مهدها مثل المبادرة العربية للسلام، ويجب أن تمضي انتفاضة القدس حتى تضع الشعب الفلسطيني إلى نقطة أقرب من ذي قبل إلى الحرية والاستقلال.


