الجمعة 13 فبراير 2026 الساعة 06:30 م

مقالات وآراء

على مفترق التقسيم

حجم الخط
د.يوسف رزقة

ثمة أسئلة كثيرة تفرض نفسها حول دخول روسيا الحرب في سوريا إلى جانب النظام بشكل سافر. لماذا انتقلت روسيا من تسليح النظام إلى مشاركته في الأعمال القتالية؟!, هل حقًا تخشى روسيا أن تنقل الجماعات الإسلامية تهديداتها إلى روسيا بعد نجاحها في سوريا؟!, أم أن المصالح الروسية في سوريا تقتضي التواجد العسكري الروسي والمشاركة الفاعلة في الأعمال القتالية؛ لأن روسيا تتوقع سقوط الأسد، وتتوقع تقسيم سوريا، ومن ثمّ تصبح من مقتضيات (الاحتلال والتقسيم) المشاركة القتالية المباشرة لحماية الأسد والمشاركة الفعلية في عملية التقسيم؟!, أي حضور مائدة التقسيم لضمان الحصة الخاصة بالكامل؟!, هل تعمل روسيا مع النظام وإيران وحزب الله لهزيمة المعارضة السورية؟!, وهل هذا الهدف ممكن التحقيق؟!, وما موقف الدول الإقليمية والدولية من هزيمة المعارضة والاحتلال والتقسيم؟!.

 

هذه بعض الأسئلة المثيرة للجدل، والتي تحتاج إلى بيان وتوضيح، بعد أن أصبح القصف الروسي لمواقع المعارضة المعتدلة والمتشددة الخبر الأول في وسائل الإعلام العربية والدولية. بداية يجب الإشارة إلى تقلص نفوذ الأسد في سوريا مؤخرًا، فقد ذكرت مصادر موثوقة أن الأسد لا يسيطر على أكثر من ٢٠٪ من الأرض السورية، وأن دمشق على طريق السقوط، وأن قوات المعارضة باتت تهدد مناطق الطائفة العلوية في اللاذقية والساحل. وهذا يعني أن التدخل الروسي هو خطوة عسكرية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من نظام حكم الأسد، وهذا يعني إنقاذ المصالح الروسية العسكرية في المنطقة.

 

جلّ المعطيات الميدانية تقول: "إن سوريا ذاهبة لا محالة إلى التقسيم، (وأن روسيا تقود بشكل معلن أو غير معلن عملية التقسيم التي تريدها دول مهمة). في الفترة الأخير قالت العديد من المصادر: إن سقوط دمشق هي مسألة وقت، وأن الأسد سيضطر إلى الانتقال إلى الساحل السوري تحت الحماية الروسية. ويقولون إن روسيا في ترسيخ وجودها في الساحل الروسي، وتوسيعه، وفرض الحماية على هذه القطعة من سوريا لعشرات السنين للمحافظة على مصالح روسيا العسكرية الاستراتيجية في ساحل المتوسط.

 

وتقول وسائل الإعلام: "إن روسيا دخلت إلى سوريا بتحالف مع إيران وحزب الله، وبدعوة من بشار الأسد، حيث لم تعد عمليات التسليح أمرًا كافيًا لاستبقاء النظام على قيد الحياة. لقد بات النظام في أسوأ أحواله، وأضعف حالاته، قبل التدخل الروسي المعلن. ثمة إجماع أن نظام الأسد لا يملك فرصة كبيرة للاستمرار إلا بحبل من إيران وحزب الله وروسيا، ومن ثم فدخول روسيا إلى الحرب شريكًا يهدف لإنقاذ النظام، أو إلى الإشراف على عملية التقسيم, حيث تخشى روسيا أن تفقد قاعدتها البحرية والجوية في طرطوس والساحل السوري، إذا ما انتصرت المعارضة السورية.

 

إن مشاركة روسيا في الحرب ضد المعارضة السورية بتأييد من إيران وحزب الله تدينها المعارضة السورية والشعب السوري، وجلّ الدول العربية مثل السعودية وقطر، وجل الدول الغربية كتركيا ودول أوروبا تدين الأعمال العسكرية التي تقوم بها روسيا في سوريا. هذه الإدانة التي تعبر عن غضب متفاوت، وعدم رضا عام عندها يعني أن الأمر قد يدفع هذه الدول إلى رفع قيود السلاح عن المعارضة، لتحريضها على استنزاف القوات الروسية وغيرها، والتعامل معها بصفتها قوات احتلال، لا قوات تقاتل الإرهاب.

 

سوريا الآن على مفترق طريق، لأنها قد تخرج من مقاومة نظام مستبد، إلى مقاومة محتل روسي، (ينظر إلى الحرب في سوريا على أنها حرب مقدسة على غرار الحروب الصليبية بحسب تصريح الكنيسة الأرثوذكسية). هذه النظرة المقدسة للحرب تعني أن أمد الحرب طويل، ويجعل الحرب في سوريا حربًا بالوكالة لأطراف دولية تتنافس على مناطق النفوذ في منطقة الشرق الأوسط. ويعطي مبررًا لداعش للتنظير لحرب الكفار والمشركين.

 

هذا عن واقع الحال، أما عن النصر والهزيمة، فإن جلّ التحليلات تقول: إن روسيا لن تستطيع تحقيق النصر، وإعادة فرض نظام الأسد على الشعب وتأهيله، فقد انتهى الأمر، ولم يعد للتأهيل موضع. وليس أمام روسيا وبقية نظام الأسد إلا التراجع إلى الساحل السوري لإقامة الدولة العلوية التي يمكنها أن تحافظ على قواعد روسيا العسكرية ومصالحها. المعارضة السورية لا تقبل التقسيم، وترفض التدخل الروسي، ولكن التفاهمات الدولية بين الكبار تملك القدرة على تقسيم الكعكة، وفرض الحلول، وجميع ما يفرض هو خاضع لموازين القوة في الميدان.