الإخوان في مصر اليوم ليسوا عصابة وفئة وتنظيم وحزب؛ بل شجرة باسقة مستحيل اقتلاعها؛ فليعلم الجميع هذه الحقيقة والتعامل معها على أساس ذلك، حتى ولو كانت شجرة خبيثة. أما من سيحكم عليها بالفناء أو البقاء فهو قانون القرآن عن الزبد وما ينفع الناس يمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال.
في عام 1928م أنشأ شاب في العشرينات من عمره، يعمل مدرسا (حسن البنا) تنظيما بسيطا من ستة أعضاء في مدينة الاسماعيلية في مصر. نحن الآن عام 2015م وأول رئيس مصري مدني منتخب (مرسي) وهو من الإخوان ينتظر حكم الإعدام، إذا لم يكن قد نفذ مع كتابة هذه الأسطر. في مجلة در شبيجل الألمانية (Der Spiegel) تعرضوا لتاريخ ولادة الرجل (البنا) بعد مرور قرن على ذلك ،ولم يكن ثمة شيء على قبره سوى جملة (هنا يرقد حسن البنا).
الرجل بالمناسبة انهى حياته قتلا بعد مقتل النقراشي رئيس الوزراء المصري، وبعد الحادثة المشهورة بالجيب (سيارة الجيب الحاملة لوثائق خطيرة). كان ذلك في عام 1948 فقتل الرجل وهو في عمر الأربعين، وكان يمكن أن يتطور ويتبدل، كما يقول أخاه جمال البنا رحمة الله على الاثنين.
الأهمية في هذا القول أن من يخترع جهازا يستطيع أن يطوره، خلاف الأتباع المتصلبين عند أقواله، وهذه هي أحد مشاكل الفكر السلفي المتحنط؟ قارنوا هذه العقلية مع عمر ر الذي يوقف نصا قرآنيا بقوله لا يوجد اليوم المؤلفة قلوبهم؟ أو إيقاف حد السرقة وتهديد المولى بأن يقطع يده بدل العبد، وذلك عام المجاعة؛ لأن الرجل ر كان يفهم روح النصوص؟ أو الاختلاف مع جل الصحابة حول تقسيم أراضي سواد العراق، أو وضع راتب لذمي من بيت مال المسلمين.
الإخوان المسلمون اليوم جماعة تعد بالملايين، شجره هائلة يصعب اقتلاعها إن لم يكن مستحيلا، بل إن كل إعدام أو حكم بالإعدام يعمل مثل تقليم الشجرة؛ فتزداد الجماعة نموا وقوة وكسبا للأتباع. تذكروا حملات الإعدام بدء من عبد القادر عودة في حملة الستة الذين انتهت حياتهم على المشانق عام 1954م في صراعهم مع عبد الناصر، حين اتهموا بتدبير حادثة المنشية لقتل الديكتاتور؟ كان ذلك خطأ منهم، أو اختراق، أو ترتيب من نفس المخابرات الناصرية، كما فعل هتلر بتصفية الشيوعيين في حادثة حرق الرايخ ستاج المشهور عام 1938م، أو حادثة حرق روما على يد نيرون واتهام المسيحيين بها، فانتهى هتلر إلى الانتحار ونيرون إلى القتل.
لقد امتدت هذه الجماعة من مصر إلى كل العالم العربي، بشكل مباشر وغير مباشر، سواء بجسمها الحركي أو بأفكارها، مثلا حماس في غزة هي امتداد لفكر هذه الجماعة، وعلينا أن نعترف أن تأثير الجماعة من خلال كتابها ومنظروها عمت العالم أجمع، ولعل أي جماعة إسلامية في العالم العربي قد تأثرت بقليل أو كثير بفكر الجماعة، فهي تجمع السلفي والسياسي والصوفي في حزمة من التناقضات.
وحين تحدث (حسن البنا) مع مؤسس السعودية الملك عبد العزيز، عن فتح فرع للجماعة في المملكة؟ قال له بدبلوماسية كلنا أخوان ومسلمون ياحسن.
أذكر جيدا عام 1965 حين تم إعدام سيد قطب صاحب كتاب (المعالم وظلال القرآن) الشهير، ولما وقعت الواقعة وتمت النكسة (1967م) فسر البعض انها إنتقام السماء من عبد الناصر، ولكن السماء تحكم بالقسط، فالديكتاتورية التي أنشأها عبد الناصر ودولة المخابرات لم تكن لتواجه دولة بني صهيون التي تعيش العصر ويكلؤها الغرب بكل دعم، ولنتذكر صراخ السادات في حرب عام 1973 م حين قال أنا لست في طريقي لمواجهو أمريكا. ذلك أن الولايات المتحدة وببركة كيسنجر (اليهودي الألماني) لم يخذل إسرائيل حين ارتجت أمام تعاون سوريا ومصر في مهاجمة الدولة الصهيونية.
في المغرب أنشأ الملك الحسن الثاني (لجنة للمصالحة والإنصاف) بعد سجن تزمامارت الشهير عقب انقلاب الصخيرات ومؤامرة أوفقير، وهو أمر يمكن أن يتكرر في مصر فيتعاون الجميع على نهضة البلد، ولكن العسكر لايرضون بأقل من النظام الشمولي الاستعبادي القمعي الدموي، ومعهم الأزهر ورئاسة المؤسسة الدينية القبطية في قسم منها، وحين أقرأ لأخ فاضل أن جماعة الإخوان المسلمين كانت إرهابية منذ نشأتها أشعر أنه ظلم للتاريخ.
لست بصدد إعلان نفسي محاميا للدفاع عنها ولكن إنصافا للتاريخ، والجماعات مثل الكائنات تتغير مع الوقت؛ فتولد ضعفا ثم تنقلب إلى القوة وفي النهاية ضعفا وشيبة، وتنظيم الإخوان لايشذ عن ذلك، فقد تغير وهو في صراعه مع العسكر حتى اليوم لم يتورط في المواجهة المسلحة كما هو الحال في سوريا.
أتذكر جيدا حين اجتمعت بـ (فتحي رضوان) في القاهرة فحدثني عن (حسن البنا) وماذا كان يخطط؛ فالرجل فكر في تكوين تنظيم مسلح لقتال البريطانيين في قناة السويس، ثم فكر في قتال الصهاينة في فلسطين (1948)، وشارك الإخوان في عمليات القتال هناك. هذه شهادة يجب أن نضعها للتاريخ.
قال لي (فتحي رضوان) المحامي المصري المشهور أن حسن البنا أدرك مغبة إنشاء تنظيم عسكري سري مسلح للجماعة، وحين كان يطلب من (السندي) رئيس التنظيم أن يقابله كان يترفع عن ذلك، فأصبح البنا مثل من قال (سمن كلبك يأكلك)، وهو مرض كل الأحزاب التي تنشأ لها أذرع عسكرية، تذكروا تروتسكي ولينين ، تشي غيفارا وكاسترو، روهم وهتلر، الأسد والبيطار، عفلق وصدام، الترابي والنميري، والأمثلة مكررة لاتنتهي، وبالتالي فكل تنظيم مدني لايبني قاعدة نضاله على الكفاح السلمي نهايته مثل نكاح العنكبوت التي تلتهم الذكر ليلة العرس.
قال لي فتحي رضوان لما وصل البنا إلى هذه القناعة قال سوف أسحب يدي من السياسة وأحول عمل الإخوان إلى حديقة للتربية الروحية، ومن هذا البستان فليخرج رجال للسياسة ولكن نظيفون. ربما هذا مافعله النورسي في تركيا، وجماعة الدعوة والتبليغ في الهند؟
أين المشكلة إذن مع تنظيم الإخوان؟ هم أرادوا بناء خلافة إسلامية (عفوا خرافة إسلامية) وهو الخطأ القاتل؛ فليس مثل هذه الشعارات بريقا ومسخا.
هذه داعش نموذج صارخ بين أيدينا في الوقت الراهن في إعلان الخلافة والخليفة؟.
حتى لو نجح الإخوان في الاستيلاء على مقاليد السلطة بثورة او بانقلاب؛ فالنتيجة هي قريبا من تجربة إيران، التي وقعت الاتفاق النووي عن يد وهي صاغرة، والقصة مضحكة لأنها تدور حول أصنام لاتضر ولا تنفع؛ عفوا الصنم النووي كما أسميه؟
كل المشكلة هي في الفكر الإخواني الذي يمثل بالنسبة لفكر (حزب التحرير) والسلفية والصوفية؛ فكرا متقدما نسبيا، يهدف مزج السياسية بملح الدين، ولكننا نعلم علم اليقين، أن مزيدا من الملح في الطعام يجعله غير مستساغ.
صدقوني ـ وهذا الكلام لخصوم الإخوان وكارهيهم ـ الإخوان أصبحوا شجرة لايمكن القضاء عليها، والأفضل لها أي لنفس الجماعة كما كتبت في كتابي (النقد الذاتي ـ ضرورة النقد الذاتي لحركات الإسلامية) تغيير الكود الوراثي في البنية الذهنية، وأنا شخصيا كتبت الكثير في هذا، فلا يمكن الطيران للمستقبل بدون جناحين من العلم والسلم.
بمعنى أن على الإخوان بناء الروح العلمية بين صفوف أتباعهم، وإتباع النهج السلمي في التغيير الاجتماعي، كما أن على القوى الأخرى في المجتمع التعامل معهم كما يحدث في إسرائيل من التعامل مع القوى الدينية المتطرفة، والإخوان مع الزمن لن يخرجوا عن هذا القانون؛ فيتطوروا كما يحدث لكل الكائنات.
في قناعتي أن إعدام مرسي سوف يفرخ آخرين أدهى وأمر من مرسي؟ تذكروا إعدام عصمت أينونو في تركيا وكيف فرخ تورجوت وأرباكان وأردوغان، وسوف تتعثر القيادة السياسية أمام امتداد الإخوان، حتى تعترف بهم وتتعامل معهم. أهم شيء على الإطلاق في الوقت الراهن هو التركيز على جانبين؛ التعليم والقضاء على الفساد، كما فعل (لي كوان يو) من سنغافورة؛ فانقلب البلد بنعمة من الله وفضل، من بلد غارق في المستنقعات والبعوض وتناحر الأقليات، إلى بلد من العالم الإول بصحة وتعليم وتناغم وانسجام ومصارف ومؤسسات طبية وجامعات تضخ بالعلم والمبدعين.
أعرف أن كلماتي هذه سوف تزعج البعض، ولن يتفق معي فيها الكثير (من السياسيين) ولكن علينا نحن من يفكر ويكتب، أن يعبر عن قناعاته، ومن سيكذب أو يصدق هذه الأفكار هو الزمن.
تذكروا قول الرجل المؤمن من آل فرعون ياقوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا. وقوله أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله.
وخلاصة القول كما جاء في الآية: قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى.

