الأربعاء 07 يناير 2026 الساعة 10:55 ص

مقالات وآراء

الاستبداد مشروع لحرب أهلية

حجم الخط
د.يوسف رزقة

تعاني البلاد العربية من التطرف، كما تعاني من الاستبداد ، ومن ثمة يمكن القول إن الاستبداد هو الأب الشرعي للتطرف، فوقائع التاريخ تحدثنا قائلة حيثما تعمق الاستبداد في المجتمعات نشأ عنه التطرف كرد فعل مقاوم له، لأنه لا ديمقراطية ولا عدالة ولا حرية مع الاستبداد. في ظل الحرية والعدالة والديمقراطية هناك مجال للرأي والرأي الآخر، وهناك مجال لإحداث تغيير في الحكم من خلال الأدوات السلمية وعلى رأسها الانتخابات، ولكن طريق التغيير مغلقة في النظم المستبدة أمام الأدوات السلمية.

 

الاستبداد هو عادة مشروع لحروب أهلية مؤجلة لحين ولادة التطرف وتعمق القناعات بجدواه كطريق وحيد لإحداث التغيير، والخروج من قبضة الاستبداد. لقد سيطرت النظم المستبدة في أوروبا لفترة طويلة، أنتجت معها لاحقا حروبا أهلية شديدة القسوة ، إلى أن ارتضت الأطراف المتقاتلة بالديمقراطية وتداول السلطة سلميا حلا للخروج من الاستبداد ومن الحروب الأهلية معا.

 

جاءت ثورات الربيع العربي نتاجا طبيعيا لحالة الاستبداد التي مثلتها الأنظمة الفردية والعسكرية، في مصر، وتونس، وليبيا، وسوريا، واليمن، والعراق. وهي حالة طبيعية في مجريات التاريخ البشري، وكانت منفذا شعبيا للتغيير وللخروج من استبداد الأنظمة العسكرية والفردية التي احتكرت القوة والثروة ، وحكمت الشعوب بالحديد والنار. ولكن قوى الاستبداد التي سقط رأسها وبقي جسدها في مصر وتونس وليبيا مثلا جمعت قواها وقامت بثورات مضادة، بالتعاون مع العسكر من ناحية، ومع النخب العلمانية التي خسرت الانتخابات. وهي نخب عادة ما تفضل العسكر على الإسلاميين.

 

حين نجحت الثورات المضادة في استعادة الحكم ، قدمت للشعب نسخة مستجدة من الاستبداد أكثر شراسة ضد القوى الإسلامية التي فازت في الانتخابات، ولجأت إلى الآلة العسكرية لقمع الإسلاميين، وغيرهم من المعترضين، وهنا سقطت النخب العلمانية العربية التي تعودت على العيش في هامش الاستبداد، في نار الاستبداد, فدخلت المعتقلات، أو لاذت بالصمت، وإذا تحدثت حملت الأوزار للإسلاميين.

في ظل فشل التغيير بالشعب والثورة الشعبية كما في مصر وسوريا والعراق واليمن، وفي ظل عودة الاستبداد بوجهه الشرس، لم يبق أمام الشباب الطامح نحو التغيير والديمقراطية والعدالة مسار سلمي منتج لكي يسير فيه، لذا وجد في التطرف، والجماعات الإسلامية المسلحة طريقا للتعبير فيه عن نفسه ضد الاستبداد الذي اتخذ القوة والقمع العسكري أداة لإنتاج أنظمة مستبدة وقاهرة.

 

ومما زاد من تعمق ظاهرة التطرف والسلاح، وجعله يتجه أحيانا ضد رعايا دول غربية، هو وقوف الدول الغربية في الجانب الخطأ في تأييدها للأنظمة المستبدة، وتقبلها للثورات المضادة، وانحيازها لها، وسكوتها عن مظالمها، وظهورها بوجهين : وجه ينصر حقوق الإنسان والديمقراطية إعلاميا، ووجه يعترف بالاستبداد ويتعامل مع المستبدين ويعترف بهم ويدعمهم عمليا.

 

إن التطرف والسلاح في المنطقة العربية هو في الأصل ضد استبداد الأنظمة الحاكمة التي أغلقت طرق التغيير والشراكة لعشرات السنين أمام الشباب، ولم يكن في الأصل ضد الغرب ورعاياهم، ولكن فشل الغرب في حماية مبادئه المعلنة، ووقوفه ظهيرا للاستبداد، جعل رعاياه ومصالحه هدفا لأعمال انتقامية. ولا مخرج من هذه المعادلة ( الاستبداد- والتطرف) إلا من خلال طريق ثالث هو العدالة والانتخابات الحرة والتداول السلمي للسلطة، وبدون ذلك فإن الصراع بين الاستبداد والتطرف في منطقتنا سيتحول إلى حروب أهلية ممتدة لعشرات السنين، وها نحن نشاهد ملامحها عمليا الآن في سوريا والعراق واليمن.