الخميس 22 أكتوبر 2020 الساعة 06:28 م

مقالات وآراء

القوة الأخلاقية لدى الاحتلال

حجم الخط

 

لا يختلف اثنان على أن القوة الأخلاقية تشكل عنصر قوي في جلب النفوس وتتكامل مع القوة العسكرية والفكرية. جميع الحضارات عبر التاريخ والتي احتلت مكانة مرموقة في عقول وقلوب الناس كانت تمتلك ما يكفي من القوة الأخلاقية لاستمرارها بموازاة القوة العسكرية والفكرية واللتان لا بد منهما للحفاظ على الاستمرارية.
 
الاحتلال في فلسطين يملك من القوة العسكرية ما يمكنه من فرض سيطرته عليها والتلويح بها أمام الدول العربية والإسلامية ولو إلى حين. هذه القوة ثبت عدم فعاليتها في ظل غياب القوة الأخلاقية لدى الاحتلال من خلال  ما يمارسه بشكل يومي ضد المواطنين الفلسطينيين، فالحواجز والتي بلغ عددها أكثر  من 600 حاجز تسوم مليونان ونصف فلسطين سوء العذاب في الضفة الغربية، ومواصلة الاستيطان وتوسيع الجدار وقطع أرزاق الفلسطينيين وحصار غزة عدا عن قتل أكثر  من 25 طفلا في جباليا قبل أسابيع، كل ما سبق وغيره الكثير يفقد الاحتلال ميزة القبول ولو للحظات بسيطة لدى المواطن الفلسطيني، ولا يعني ذلك أن الاحتلال قد يقبل إذا لم يقم بذلك بل يبقى احتلال يجب إزالته.
 
لا يختلف الأمر كثيرا عن الاحتلال الأمريكي للعراق، فأمريكا في  العراق لديها  من القوة العسكرية ما يسمح لها بالعربدة والابتزاز وسرقة نفطه كيفما شاءت، ولكنها لم تستقبل بالورود ولم تدخل قلوب وعقول العراقيين، والسبب بسيط هو لغياب القوة الأخلاقية لديها. فقتل مليون عراقي وسجون أبو غريب وغوانتنامو واغتصاب الحرائر والمصائب التي جلبها بوش للعراق تجعل العراقيين لا يتقبلون وجود الجنود الأمريكيين على أرضهم.
 
 القوة الأخلاقية في غاية الأهمية لمن أراد أمنا لمجتمعه وشعبه ولمن أراد أن تتقبله الشعوب ويذكره التاريخ بخير. الدول التي تريد أن تنشر فكرها وطريقتها في  الحياة  يجب أن تحرص على التميز الأخلاقي بحيث يبقى الضمير الإنساني حيا ومتحفزا دائما من أجل الإيثار والوفاء والصدق والإخلاص في العمل والقيام بالواجب والدفاع عن الحق وعدم الانجرار وراء بريق الذهب والدولار....
 
القوة الأخلاقية قبل القوى الأخرى، وإذا توفرت القوة العسكرية دون وجود القوة الأخلاقية   فإنها لا تصمد.  ما حصل من هزيمة عام 1967 حيث كان العرب أكثر عددا وعدة من الاحتلال لدليل على ذلك، وما حصل في الأندلس عبر معركة بلاط الشهداء من قوة عسكرية كبيرة للمسلمين سرعان ما تهاوت أمام ضربات الأوروبيين يعود لضعف القوة الأخلاقية مع أن القوة العسكرية والفكرية كانت في أوجها. جيوش المسلمين كانت لحظتها تبحث عن الغنائم والكراسي خلافا لتعاليم وأخلاق الإسلام مع تراجعات أخلاقية في المجتمع الأندلسي المسلم وقتها.
 
مئات الألوف تعرضوا للاعتقال من قبل الاحتلال الأمريكي للعراق أو الاحتلال الصهيوني في فلسطين، ما مورس مع هؤلاء من أعمال لا أخلاقية من تعذيب وانتهاك للأعراض وللكرامة الإنسانية يقومون بنشره وتوعية 300 مليون عربي ومليار ومائتي مليون مسلم به من طنجه حتى جاكرتا، وبالتالي بث وإشاعة الكراهية للاحتلال بصناعة الاحتلال نفسه وما يترتب عليه من مقاومة يسميها الاحتلال 'إرهابا'، وفي نظر المنطق والعقل والعلم والتاريخ والبشرية جمعاء وأمة المليار شرف وكرامة وعزة وعمل يرفع الرأس.
 
الذين يدعون أن الإسلام انتشر بقوة السيف مخطئين ويكذبهم التاريخ، فقد انتشر الإسلام في  اندونيسيا وماليزيا بقوته الأخلاقية حيث لم تصل جيوش المسلمين إلى هناك بتاتا. ولا احد يصدق أن هناك في  العراق  أو في  فلسطين من يؤمن بقوة الأخلاق لدى أمريكا  أو ألصهاينة. القلة القليلة ممن يقولون بعكس ذلك هم  من المنتفعين والباحثين عن مصالحهم الشخصية، وأمريكا والاحتلال  يدركوا ذلك ولكنهم تأخذهم العزة بالإثم وبالتالي لا يريدوا أن يسيروا حسب المنطق التاريخي والسنن الكونية.
 
خلايا شهداء الأقصى التابعة لحركة فتح أو القسام التابعة لحركة حماس والخلايا الأخرى الفلسطينية تمتعت بقوة أخلاقية عالية خلال تنفيذها للعمليات البطولية ضد الاحتلال بحيث ابتعدوا عن قتل الأطفال والنساء، مع أن الاحتلال لا يفرق في قتله للفلسطينيين بين امرأة أو طفل أو مقاتل، واكبر دليل  على ذلك مجزرة جباليا الأخيرة التي راح ضحيتها العشرات من النساء والأطفال. حملة الاحتلال على قناة الجزيرة أتت من هذا الباب حيث صور الأطفال القتلى ساهمت في تعرية وفضح أخلاق الاحتلال للعالم التي تقوم على الإجرام ولا تعرف حتى الحدود الدنيا للأخلاق.
 
صحيح أن الإنسان يلحق بالقوي ويعجب به ويريد أن يقلده ولكن هذه التبعية سرعان ما تنهار في ظل غياب القوة الأخلاقية. وما يجري في العالم العربي والإسلامي من كره وبغضاء  متصاعدة لأمريكا و((اسرائيل)) هو لغياب القوة  الأخلاقية لديهما، فالحيوانات عندما تقتل بعضها تقتل لتأكل ولتستمر في حياتها، أما عندما تقتل أمريكا أو ((اسرائيل)) فإنهما يقتلون للتلذذ بعملية القتل والتخريب والتدمير... حتى الشياطين تتأفف من وحشيتهما.
 

عبر التاريخ لم تستمر قوة عسكرية بقوتها في  ظل غياب القوة الأخلاقية. وأمريكا سرعان ما ستتهاوى في ظل ضعفها الأخلاقي، والاحتلال ((الإسرائيلي)) لفلسطين سرعان ما يتهاوى ويتساقط طال الزمن أو قصر تحت أقدام أناس يملكون من القوة الأخلاقية ما يمنعهم من قتل طفل أو امرأة، 'ويسألونك متى هو قل عسى أن يكون قريبا'.