في كل سنة تمر ذكرى حرب 1967 أو حرب الأيام الستة، أو ما يسميه البعض النكسة، في هذه الذكرى المؤلمة تكثر برامج الفضائيات وتنشط أقلام الباحثين والكتاب، وتتسابق الصحف والمجلات في تسليط الضوء على مقدمات هذه الحرب ودوافعها وأحداثها ونتائجها، وهناك العديد من الأدبيات المنشورة التي تحدثت عن هذه الحرب بالتفصيل، سواء على الجبهة المصرية أو السورية أو الأردنية، ولا أريد هنا أن أكرر ما كُتب وما قيل عن هذه الحرب، فقط سأذكر بالمعطيات المتعلقة بحرب عام 1967م، ثم سأشير إلى الاتجاهات الفكرية اليهودية المنبثقة من الفكر التوراتي، هذه الاتجاهات التي صنعت الأدب العبري، الذي لطالما تحدث عن البطولة ورسخ في المقابل المصطلحات التي تصف العرب بالجبن والإرهاب والكذب، وأن العرب أقوام غرباء احتلوا الأرض، ولذا يجب طردهم وقتلهم، لأن اليهود هم أصحاب الأرض الحقيقيين الشرعيين في منظورهم.
لقد نجح الكُتاب والأدباء والشعراء اليهود إلى جانب رجال الدين في إحداث تعبئة شاملة في نفوس جميع الإسرائيليين، بأن إسرائيل مُهددة من جيرانها، وأن العرب يسعون إلى تدمير إسرائيل، وكان هدف التعبئة هو الإبقاء على الأجيال الإسرائيلية في حالة عسكرة نفسية وحذر وتوجس تجاه نوايا العرب، وبالتالي التربص والتحفز لإجهاض نواياهم لتدمير إسرائيل، وهذا هو الاتجاه الأول.
أما الاتجاه الثاني هو رسم الصورة الجميلة لليهودي الذي يتصف بالقوة والمقدرة والإرادة القوية والشجاعة والتصرف بحكمة، بعكس الإنسان العربي، وبعكس صورة اليهودي الذي عاش ذليلاً في السبي البابلي الأول والثاني زمن ملك البابليين نبوخذ نصر الذي قهر اليهود ونفاهم وقتلهم، هكذا إذن الصورة الجديدة لليهودي وذلك حسب الصور التي جسدتها القصص والروايات الأدبية اليهودية، فإن قدرة إسرائيل المهددة بالإبادة على استجماع قدراتها كانت عالية جداً، واستطاعت الانطلاق بقوة لضرب قوى التهديد في مهدها وتدميرها على ثلاث جبهات، وهذا بحد ذاته يعني إحياء مفهوم البطولة لدى الإسرائيليين، وقد بين الدكتور إبراهيم البحرواي في صحيفة الإتحاد الإماراتية أن مفهوم البطولة اليهودية جاء في إطار إستراتيجية سميت خلق اليهودي الجديد، المختلف عن اليهودي المستكين الذي عاش لقرون في أحياء الجيتوا الضيفة الرطبة القذرة والتي فرض الأوربيون المسيحيون عليه العيش فيها، ولقد استند الأدب العبري على إحياء مفهوم البطولة مستنداً إلى أسطورة الفتى اليهودي الصغير الذي واجه "جوليات" العدو العملاق مفتول العضلات في الزمن القديم، في معركة غير متكافئة القوى، حسمها ذكاء داوود الذي استخدم المقلاع عن بعد في إصابة رأس "جوليات" فأسقطه مغشياً عليه، ليتمكن داود بعد ذلك من التقدم والاقتراب منه للإجهاز عليه وهو في غيبوبته.
هذا الإحياء الأدبي لمفهوم أو أسطورة البطولة اليهودية يتم إنعاشه اليوم بوقائع الهجوم الإسرائيلي على القوات العربية العملاقة التي حاصرت إسرائيل من ثلاث جهات في الخامس من يونيو 1967م. والذي استخدم فيه مقلاع الطيران لإسقاط العملاق العربي على الأرض، ثم التقدم نحوه بالقوات البرية والإجهاز عليه.
إن ما حدث عام 1967 كان بمثابة نكبة كبرى حلت بالعرب، فاقت في قسوتها نكبة عام 1948، لأن نتائجها كانت أخطر من تلك التي نجمت عن حرب عام 1948، فما زالت إسرائيل تسيطر على الضفة الغربية بما فيها القدس وهضبة الجولان السورية، وقد قامت إسرائيل بشن ثلاث حروب على قطاع غزة وما زالت تفرض الحصار الجائر عليه منذ أكثر من ثمان سنوات وهي مستمرة بارتكاب المجازر الوحشية ضد الفلسطينيين.
إن هذه الهزيمة كانت بسبب عدم وجود إستراتيجية عربية عسكرية، وعدم وجود خطة دفاع إستراتيجية، إلى جانب ضعف الإعداد والتجهيز وانعدام كفاءة القيادة العربية العليا، والصراع الكبير بين القوى الدينية والمؤسسات الحاكمة وأغلبها قومي يساري يظهر العداء للدين في الوقت الذي كان فيه تناغم بين القوى الدينية في إسرائيل مع المؤسسة السياسية الحاكمة.
وفي هذه الذكرى لا بد من القول أنه يجب على القيادات العربية والإسلامية أن تعيد الدراسة بعمق لمعرفة سبب الهزيمة ومعرفة أسباب انتصار إسرائيل، ولقد أثبتت غزة في حروبها الثلاثة الأخيرة أن العرب إذا ما أرادوا أن يحققوا النصر ويُلحقوا الهزيمة بالإسرائيليين فهذا ليس مستحيلاً، فتجارب التاريخ شاهدة على ذلك وما حدث في غزة أثبت أن إسرائيل ضعيفة وأننا بحاجة فقط إلى المقاومة الصادقة والإعداد الجيد لمواجهة العدو الصهيوني الذي بات اليوم هشاً ضعيفاً إلي جانب السير في غرس مفهوم الجهاد في سبيل الله في نفوس الأجيال الفلسطينية المتعاقبة.
وإن المقاوم الفلسطيني اليوم يعتقد يقيناً أن إسرائيل إلى زوال، ستزول من الوجود بوعد إلهي ومن سيحرر هذه الأرض المباركة هم الطائفة المنصورة التي باتت تُعد العُدة لتحقيق هذا الهدف الكبير، ولكننا بحاجة إلى أن تتوحد الأمة وأن تستغل طاقاتها وتتخلص من أسباب ضعفها وتبدأ مشوار الإعداد لمعركة قادمة لا محالة مع العدو الإسرائيلي.


