الأربعاء 31 ديسمبر 2025 الساعة 05:30 م

مقالات وآراء

العالم اليوم ديجتال

حجم الخط
د.خالص جلبي

أمريكا تشرب ربع البترول العالمي بشراهة وجنون، مثل العطشان يشرب ماء البحر فيزداد عطشا، ومن تقاليد الانتخابات يتم التهام الديمقراطية مثل شطيرة حلويات، وحاليا في الجملوكيات العربية مجالس (….) ـ عفوا مجالس شعب ـ للهتاف والتصفيق.

يفهم الجميع اليوم أن بخفق جناحي فراشة في سان فرانسيسكو يمكن حدوث «تايفون» في اليابان، وأن تلوث الهواء في سماء بكين مشكلة هولندية، وأن أزمة الرهن العقاري في بوسطن ونيوجيرسي تقلع موظفا من عمله في مصنع للكيمياء في جرونوبل بفرنسا، و«أبوحسن» من الأوتوستار (وكالة سيارات) في الرياض، وأنا من مؤسسة للبحث، دون إخطاري خطيا قبل شهر، كما في العقد والتعاقد، فهذه أمور لا يستطيع الضعفاء فيها مواجهة تماسيح القوة وديناصورات المال..

العالم اليوم ديجتال، وكل دولار يتم تحويله تحصيه ألف آلة حاسبة، وكل بريد إلكتروني قابل للاسترداد والتمرير على الأمن، وكل صورة بورنو أن تعبر الأفق من بتاجونيا إلى جزيرة سخالين.. وكل كمبيوتر قابل للاختراق ولو كان صاحبه في النومة السابعة..

فهم الجميع في الأرض أن الكل يؤثر على الكل، وأن دولة خليجية تفلس من أمريكا وتتبخر ملياراتها الحلوة في لمحة عين وهي تتفرج لاتملك دفعا ولا نصرا، وأن سيدة ألمانيا تبيع بيتها في تلك الدولة بربع الثمن، وأن قصة عاد قابلة للتكرار، فيعود كل شيء إلى الرمل كما طلع من الرمل.

إن تشابك العالم وارتباطه اليوم يشبه نمو البشرية بالاتصالات، واليوم وبواسطة الموبايل والإنترنت والسكايب والفيسبوك، يتواصل جيل الشباب ـ جيل الإنترنت ـ الذي انقلبنا فيه نحن إلى تلاميذ، نتعلم منهم، وهم أساتذة لنا بالكمبيوتر والإنترنت يلعبون، كما حصل معي بين تنزيل برنامج وآخر؛ طارت مقالاتي التي اشتغلت عليها منذ ربع قرن، حتى تم إنقاذي على يد شاب نبتت اللحية لتوها في عارضيه هو في عمر أصغر بناتي؛ فعادت المقالات بكبسة زر وقد دبت فيها الحياة فأصبحت مقروءة.؟!!..

من يضع يده على الجوجول (يجوجل) فيرى بيته في أي زاوية من المعمورة، كما رأيت أنا الفيلا التي بنيتها في الجولان، بجهد ست سنوات، عسى أن يرتاح فيها المحارب المتقاعد، لأكتشف أن عليّ مغادرة ديار البعث إلى يوم البعث؛ فلا أراها إلا في «الجوجل إيرث»؟؟ ليحتلها جيش أبو شحاطة فينهبها وتتحول إلى أنقاض مع بقايا أحلامي عن سوريا محررة.

لم يعد ساكن الديار من يجوس بل من يعس في النت، وتحول سوق الزواج إلى حبل من جداول إلكترونية؛ فيتزوج البريطاني كازاخستانية، والكورية من عراقي كردي، والسوري مغربية من سفوح تازة وفاس.

مع هذا وبقدر الخيرات والخيارات، بقدر الاحتيال والشعوذة وتدشين التعصب والحقد والشعارات الثورية الخائبة؛ فكل يوم أنا مليونير دون أن يدخل جيبي يورو؟ وكل يوم يركض خلفي بلهاث وضباح ونباح أشكال لا حصر لهم من المرابين والمرتشين والمختلسين، في فيضان من مئات الرسائل يتنامى دون توقف، بحيث يفكر المرء أول فتحه النت ماذا يحذف قبل ماذا يقرأ؟

إنه عصر الطوفان دون نوح، ماؤه من السماء منهمر، وأرضه سيرفات تشفط وتبلع، وسفينته صندوق من تنك، ومجاديفه من كي بورد وسكانر.

ألسنا نعيش عالما سحريا دون سندباد وألف ليلة وليلة، بحضور شهريار في كل لحظة؟؟

لقد ولد أخيرا المواطن العالمي، على الرغم من الناصرية والنصرانية، والمخابرات والحزبية، والبعثية والعبثية، وقتال داعش وفاحش، و فتح وبني صهيون، وحماس بكل حماس، وخرافات المذهبية والحزبية والطائفية، وتزاحمات ومضاربات العرب والكرد والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر.

إنه عصر بشّر به الأنبياء فهو يتبلور في كل حين.

ولادة الإنسان المحرر من علاقات القوة والإيديولوجية والعرق والجنس وخنق الثقافات وضيق الأديان إلى نور الإسلام، الذي نادى به وحلم كل الأنبياء والثوريون والفلاسفة والمصلحون والفوضويون دعاة اللادولة فقد ولدت دولة اللادولة.

دولة أمواجها ثبج البحر الأخضر الإلكتروني، وشواطئها اللانهاية، وعبادها من كل مكان، في دين الإنترنت إخوانا..

أليس هذا العالم جميلا الذي نحن إليه قادمون؟