الاعتقال السياسي جريمة مستمرة رغم الاتفاق على أنها مرفوضة من أي طرف كان، إلا أن هذا الرفض غير مقبول ممن يرتكب هذه الجريمة رغم أنه يعتبرها في مكان آخر من الوطن على أنها جريمة كبرى لا تغتفر حتى لو كان الأمر لا اعتقال فيه ولا تهم ولا محاكم بالجملة وهذا لا يعني أنني مع مثل هذا الأمر؛ ولكن أسوق ذلك على سبيل المثال وليس للتبرير أي الرفض هناك وقبول هنا.
حرية المواطن الفلسطيني وخاصة السياسية والفكرية وحرية الكلمة والتعليق والنقد والانتقاد يجب ان تكون مصانة من كل السلطات وألا يعتدى على حرية أي مواطن فلسطيني طالما لم يخل بأمن الوطن او بقوانينه ونظمه، وان الاختلاف في وجهات النظر وحرية الرأي والتعبير ليست سببا للاعتقال أو المساءلة أو الاستدعاء أو الملاحقة.
المؤسف أن ما يسمى اعتقالا سياسيا أمر دخيل على ثقافتنا ويجب ألا يكون تحت أي سبب كان، والأخطر من الاعتقال السياسي هو الاعتقال على الهوية وعلى الانتماء الفكري أو العقدي، كما يجري اليوم في الضفة الغربية. فالاعتقالات السياسية لا تمس إلا فئتان إما إسلامي يؤمن بعقيدته وفكره ومبادئه ويرى في المقاومة منهج حياة لعودة الحقوق المغتصبة، أو مقاوم يؤمن بنهج المقاومة كطريق للتحرير وتحقيق الحقوق رغم فكره العلماني أو اليساري أو غير ذلك، وهو ينطلق من منطلق أننا شعب محتل مغتصبة أرضه ومشتت في بقاء الأرض ويرنو إلى الحرية والتحرير.
الأخطر في الاعتقال السياسي أن يكون على الهوية دون أي جرم أو التفكير بالجرم، فمجرد أنك تنتمي إلى أحد الفئتين فأنت هدف للاعتقال والملاحقة وهذا الأمر لن يتوقف على أجهزة السلطة في الضفة الغربية بل ونتيجة التعاون الأمني مع الاحتلال الصهيوني يجعل الاعتقال عند أجهزة أمن السلطة مقدمة للاعتقال لدى الاحتلال الصهيوني. بل ما يزيد الطين بلة أن ملفات التحقيق التي تجري في أقبية أجهزة السلطة عند الانتهاء منها ترسل كما هي إلى الأجهزة الأمنية الصهيونية وعندها تبدأ ظاهرة تبادل الأدوار بين الاحتلال وأجهزة السلطة.
من الأمور الخطيرة التي ظهرت بشكل كبير وواضح في الفترة الأخيرة هو قيام أجهزة السلطة عند مداهماتها للمنازل بمصادر أموال ومقتنيات ثمينة قبل مغادرتها البيوت المداهمة الأمر الذي يصفه أهل هذه البيوت على أنه سرقة عنوة وبالإكراه تحت ذريعة تبيض الأموال وهي حجة واهية لا أساس لها فهي إما تكون أموال خاصة نتيجة عمل بين المواطن وجهة عمل في قطاع غزة، أو هي أموال من حق الأسرى والشهداء كمعونة تقدم لهم نتيجة عدم قيام السلطة بواجباتها تجاه فئة معينة من الأسرى والشهداء، وهذا نوع من الحرب على أرزاق الناس. وهذه الأموال التي تصادر لا احد يعلم أين مصيرها والتجربة السابقة تقول أن هذه الأموال تسرق وتوزع على كبار العاملين في الجهاز الأمني.
الاعتقال السياسي يجب أن يتوقف ولا يوقفه الا التصدي له بكافة الطرق والوسائل بعيدا عن المواجهة الدامية ولكن هذا التصدي ليس مقصورا على الشخص نفسه أو عائلته بل يحتاج إلى وقفة جماهيرية وشعبية خلال محاولة الاعتقال سواء من البيت أو من الشارع أو العمل، هذه الوقفة يجب أن تحول دون الاعتقال حتى لو وصل الأمر للاشتباك بالأيدي أو منع ذلك بالطريقة التي تفرضها الحالة.
نعم أبو الاعتقال السياسي الذي يخدم الاحتلال الصهيوني، ملعون الاعتقال السياسي الذي يفرق بين أبناء الوطن، أبو الاعتقال السياسي الذي يؤسس لحالة الخوف والكبت وتكميم الإخوة ومنع الحريات السياسية والفكرية والإعلامية... نعم للحرية بكل أشكالها وألوانها.


