الأربعاء 31 ديسمبر 2025 الساعة 05:30 م

مقالات وآراء

الغدر دم في عروقنا

حجم الخط
د.خالص جلبي

يبدو أن داء الغدر يسري في عروقنا مثل الكريات الحمر فوجب استبدال كامل الدم الثقافي كما في تبديل دم الأطفال الرضع بالتسمم بالبيلروبين، والتاريخ يخبرنا عن هذه العلة الإجرامية إلى درجة أنني افكر انها جينة في الكود الوارثي.

في عام 1975 اتفق الشاه وصدام في الجزائر على مسألة الحدود ووقع الطرفان على وثيقة دولية في جو من العناق والقبل، وبعد خمس سنوات تبين أن الاتفاق لا يساوي قيمة الورق الذي كتب عليه، وأن الغدر سيد الأحكام، وأن السيف أصدق أنباء من كل المواثيق الدولية، وأن القواعد تستخدم لخرق القواعد.

وفي معظم بلدان العالم العربي يتم الاحتفال بأعياد وطنية؛ فتغلق المؤسسات العامة وهي ذكريات أيام الغدر والانقلابات، ويخطئ من يظن أن هذا المرض حديث؛ فالمتتبع للتاريخ العربي يكتشف مسلسلاً محموماً من القنص الدموي والغدر المتصل، ثم محاولة شرعنته.

وظاهرة الغدر بدأت منذ أن صادر البيت الأموي الحياة الراشدية بالانقلاب العسكري بحجة العدل، مثل مرض الإيدز الاجتماعي، ونحن نعرف من مرض فقد المناعة أن الخلل هو في تسلل الفيروس إلى الشيفرة الأصلية للتكوين.

والمرض الأموي أصبح مقدساً محصناً ضد أية مراجعة، ومن يحركه هو أشقى القوم، فيحاولون استبدال المغص بالصداع، والسل بالطاعون، إلى بشر لا يناقشون ولا ينتقدون، فشكلهم بشري، ولكن طبيعتهم وشحمهم رباني فوق النقد والمساءلة والخطأ، مقدسون معصومون مثل البابا بقلنسوة ليست حمراء من الفاتيكان، بل جدد بيض وغرابيب سود.

وأصل البلاء ليس أنه مرض عارض، جاء ثم تعافت منه الأمة، كما يحدث لأي واحد منا يصاب بالأنفلونزا فينهار ثم يستعيد عافيته بعد أسبوع، ولكن مسلسل الانهيار الذي دشَّنه الانقلاب المرواني لم ينته بعد.

وسفينتنا الغارقة مازالت تغوص إلى القاع مثل التيتانيك، ولم تستقر بعد في قاع المحيط، وإذا كان للسفن الغارقة قاع ترسو عليه، فإن المجتمعات تمضي في رحلة الانهيار إلى درجة الموت والتفسخ ثم التحلل الكامل، عندما تتمزق شبكة المجتمع، وينقلب من نشاط مشترك على أنغام موسيقى جميلة، إلى كائنات بيولوجية فوضوية لا يضمها خيط، يبحث كل فرد عن خلاصه الفردي في جو من التيه والخوف.

وإذا كان الأمويون قد أنتجوا شواذا، فإن النموذج العباسي أنتج السفاح قاسم سليماني حاكم دمشق الذي حمل توصية خاصة بقتل كل من رابه أمره ولو كان طوله خمسة أشبار.

ومضى تاريخ الخلفاء العباسيين بعد ذلك على نحو أدهى وأمر؛ فقد قتل جعفر “المتوكل” على الله وهو الخليفة العاشر. كما قتل الخليفة الحادي عشر “المنتصر بالله” فلم ينصره أحد وما كان منتصرا. أما “المستعين بالله” فقد خلع ثم قتل، ولم يعنه أحد، وكان الثاني عشر. كذلك قتل الخليفة “المعتز بالله” بدون أي عز، وكان الخليفة الثالث عشر، وكذلك كان مصير “المهتدي بالله” الخليفة الرابع عشر. أما الراضي بالله وهو رقم 19 بين الخلفاء وهو “عبدالله بن المعتز” فقد حكم يوماً واحداً ولم يكن راضيا مرضيا. أما الخليفة الثالث والعشرون “المستكفي بالله” فقد سملت عيناه ثم سجن حتى مات.

وبينهم نجا من نجا بالصدفة أو الخديعة والمؤامرة أو الاستكانة والفزع.

وفي النهاية خرج آخر خليفة عباسي ليقابل الجزار هولاكو فيسأله بخبث أين مخبأ بركة الذهب الخالص؟

ثم حكم الخلفاء العباسيون في مصر بدون أن يحكموا، ولم يكن مصيرهم بأفضل وكان عددهم 17، أما المماليك فكانوا ثلاث أجيال: البحرية والبرجية والشراكسة؛ فأما البحرية فقد حكم منهم ستة انتهت حياة خمسة منهم بالقتل.

وأما المماليك البرجية فقد حكم منهم 21 واحداً خلع منهم 11 وقتل 4.

أما المماليك الشراكسة فقد حكم منهم 25 خلع منهم 12 وقتل اثنان، وخنق واحد، وشنق واحد، وكان أعقلهم المدعو “جقمق” فقد استقال بعد أن تحول كرسي الحكم إلى كرسي الإعدام.

ولكن ما معنى هذه الرواية الحزينة من التاريخ؟

نحن كما نرى في حالة استعصاء كاملة، بعد أن تحول المجتمع العربي إلى مهزلة للعالمين، ويفرك الإنسان عينيه ولا يكاد يصدق عندما يجتمع عقلاء القوم في بلد عربي فيغيروا الدستور في دقائق فيرفعوا أو يخفضوا في عمر المرشح مفصلا على القياس “كما تم تعيين بشار البراميلي الكيماوي في مجلس الشعب”.

إن أنظمة العالم العربي اتخذت درجة فهرنهايت سياسية قد توصل عمر المرشح من 14 عاماً إلى 104.

وهذا المرض يتكرر في كل زاوية من العالم العربي التي ترضع من نفس معين الثقافة المريض فتتكرر المهزلة تحت التظاهر بثوب إسلامي لا يسر الناظرين، إنها أزمة ثقافية وأخلاقية تروي روح الغدر المتفشية. وإذا استطاع الطب فك كامل الشيفرة الوراثية، بحيث يمكن معالجة الأمراض التي كانت في حكم المستحيل، فإن جراحة اجتماعية متقدمة هي بحكم الضرورة للتخلص من هذا المرض الاجتماعي، ولكن أين الجراحون وأين الأدوات؟.