الأربعاء 31 ديسمبر 2025 الساعة 05:31 م

مقالات وآراء

السخرية من النبي في ذكرى مولده؟

حجم الخط
د.خالص جلبي

زلزال فرنسا مع مدخل عام 2015 م التي ترافقت في ذكرى مولد النبي ص بالسخرية منه، والمظاهرة الحاشدة في باريس بتاريخ 11 يناير التي حضرتها شخصيات عالمية ضد الإرهاب، بعد الاعتداء على مجلة (شارلي أيبدو) الفرنسية تحمل درسا عميقا لكل الأطراف، في عدم السخرية من شخصيات مركزية في الإسلام مثل (محمد صلى الله عليه وسلم)، كما تحمل من الوجه الآخر الانتباه إلى اتباع الطرق القانونية لمقاضاة أولئك الذين يستغلون حرية التعبير لقتل روح التعبير؛ فالتعبير مسئولية قبل كل شيء، والكلمة ملك لنا قبل أن ننطقها فإذا نطقناها أو كتبناها ملكتنا هي، والكلمة تتحول أحيانا إلى ألغام وقنابل؛ فليحذر من يقفون على بوابات التعبير من خطورة المكان.

وما حدث قد يكون شرارة في حريق كبير قادم، يقف خلفه إستراتيجيون جهنميون، من تحالف بني صهيون واليمين المجنون المتطرف، يرون تحول أوربا إلى الإسلام تدريجيا، أمام إحصائيات مرعبة لهم؛ أن ألمانيا مثلا ستكون جمهورية إسلامية عام 2030 بوجود أكثر من عشرة ملايين مسلم؟ ومنذ زمن سمعت من الصحفي الألماني الذي توفي قبل قليل (بيتر شول لاتور) أن موسكو أصبحت عاصمة إسلامية ولا أحد يعلم أن ساكنتها من المسلمين حجم كبير، دليله من صلاة العيد الهائلة السابقة، كما أن روسيا يصعد فيها عدد المسلمين إلى أكثر من خمسين مليون؟ ومن يعتنق الإسلام في أمريكا يزيد عن 23000 سنويا، وفي الوقت الذي كان في إيطاليا عام 1950 بضعة ألوف من المسلمين يصبح عددهم مع كتابة هذه الأسطر أزيد من مليون ويعلن سفير إيطاليا في الرياض إسلامه بفخر، وفي ألمانيا جمعية تضم خمسين ألف امرأة مسلمة ألمانية باسم (أخوات محمد) من نوع كول وشميدت وريناته، ويعتنق الإسلام سنويا من الألمان أزيد من ثلاثة آلاف، بعد أن كان العدد بالمئات، من محامين ومهندسين ومفكرين شقر بعيون زرق، وسمعنا عن صدمة أمريكية عاطفية حين اعتنقت مغنية الراب (كريستين) الإسلام ولبسها الحجاب بتحدي وظهورها للنقاش العلني مع الدكتور فيل المشهور.

كل هذه المعلومات التي تتدفق أصابت الاستراتيجيين المراقبين بالهلع؛ فالفتح الإسلامي الآن ليس عسكريا بل ديموغرافيا وروحيا وبهدوء؛ ولذا فأفضل طريق هو إشعال الحرب بين المجتمع الأوربي والمسلمين، وبطريقة جهنمية، في دفع أناس من طرف يوقدون نار الحرب برسوم الكاريكاتير للنيل من شخصية مركزية محبوبة جدا لكل مسلم، ومن طرف مقابل شحذ شباب متهور بالحمية للرد بالنار. وهو في الغالب مؤامرة متعددة المستويات، من مخطط ومنفذ وساعي ومبرمج ورافد بالسلاح كما حصل في تفجير الحريري ومقتل كيندي. ومن يريد فهم أعمق لمثل هذه الظاهرات فليرى فيلم (أرلنجتون رود) الذي مثلته هوليود قبل أحداث سبتمبر، وكذلك الفيلم الفرنسي عن عملية (ايكروس Ecros Operation).

كما أن نهاية منفذي عملية القتل الذين حملوا سرهم معهم لم نعرف فيها من المحرض والمساعد والمخطط والممول؟ ما يجعلنا نتذكر إعدام الجاسوس الصهيوني كوهين في دمشق، وهو يحمل معه إلى القبر أسرارا خطيرة عن تعاون الرفاق معه في الحزب العقائدي بالطول والعرض؟

يقول القرآن كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا.

معنى هذا أن نور الله سيعم الأرض وأن من يريد إطفاء النور الإلهية بأفواههم سيعجزون وسيبلغ الإسلام ما بلغ الليل والنهار. لذا كانت المصائب التي تحل على السوريين مثلا أمر جيد، يجعلهم ينتشرون في الأرض؛ فيفهمون العالم على نحو أفضل وهذه هو المغزى العميق خلف كلمة (مراغما)

ما حصل في فرنسا مع مطلع العام يوجب علينا أن نحصن أولادنا وشبابنا من كل فكر متطرف، واحترام الشخصيات المركزية، وعدم الإساءة لها، وأن نقرأ جملة الآداب من سورة الحجرات أن لا يسخر قوم من قوم، وأن لا يسبوا الآخرين كي لا يقابلوا بالسب، واستخدام السلاح القانوني لمقاضاة من يسيء استخدام الكلمة؛ فالدولة خلقت للفصل بين الناس، وحين يلجأ كل فرد للوصول إلى حقه بذراعه تحول المجتمع إلى غابة. علينا إذن بتهيئة اللقاحات لتلقيح أولادنا بلقاحات ضد مرض العنف والكراهية والاستهلاك والعنصرية والإباحية وسوء استخدام الكلمة، واحترام الشخصيات المركزية الرمزية. الحرب هنا كما نرى هي لعبة ذكاء. ولكن التاريخ أحيانا يمر بين بلاهة المتحمسين وخبث الأذكياء.