الأربعاء 21 يناير 2026 الساعة 11:13 ص

مقالات وآراء

الصندوق الأسود

حجم الخط
د. يوسف رزقة

حين تتحطم طائرة ركاب يبحثون عن ( الصندوق الأسود) لأنه يحتوي على أسرار الرحلة، ويبين أسباب تحطم الطائرة. ويبدو أن الضمير العالمي قد عثر على الصندوق الأسود في تظاهرة الجمهورية في باريس. في صندوق باريس أسرار تجمعت من قلوب الحاضرين، لا من ألسنتهم. إن حديث القلب هو الأصدق عادة من حديث اللسان.

 

في مظاهرة باريس كان الرئيس أولاند، تلاحقه جرائم فرنسا في مالي، وفي الجزائر ، وفي أفغانستان. وكان نتنياهو تلاحقه جرائمه في غزة في حرب العصف المأكول، وفيما سبقها من حروب. وكان محمود عباس تلاحقه جرائم نسيان غزة، ووقوفه مع نتنياهو في صف واحد، تلاحقهم ألسنة السخرية والاستهزاء ، التي ملأت تغريدات تويتر، وتعليقات الفيس بوك، والإعلام الجديد.

 

في الصندوق الأسود وجدوا عبارة تقول تجمع ( الجمهورية) يحضره عدد من القتلة، والمستبدين، ومن لا ضمير له، ولا أخلاق؟! ووجدوا أن أهم النتائج المسجلة تقول هنا : اتفق المنافقون على إعلاء سعر الدم الفرنسي، وخفض سعر الدم العربي والإسلامي، والإفريقي. واتفقوا على تشريعات ضد المهاجرين والمسلمين ؟! واتفقوا أن ضمير الدول القوية في مالها وسلاحها لا في قلوبها وأخلاقها؟!

 

أما في خارج الصندوق الأسود فكان (سليمان العودة) وغيره من علماء المسلمين ممن حرموا المشاركة في تظاهرة الجمهورية، لأنها تضمنت شعارات تسيء للإسلام ، وللنبي محمد صلى الله عليه وسلم. وانتقدها علماء آخرون لتصدر نتنياهو قاتل الأطفال الفلسطينيين لها. وكان أعلى هذه الأصوات وأحقها بالاحترام صوت الرئيس التركي أردوغان. وذكر علماء آخرون فرنسا وأميركا بجرائمهم القديمة مثل جريمة النووي في نجازاكي وهوروشيما، وجرائم فرنسا في الجزائر وسوريا والعراق، وغيرها.

 

إن أكثر من تعرض للاستهزاء والسخرية في وسائل الإعلام الجديد، هو محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية، الذي استفزه مقتل بعض الفرنسيين، بينما لم يستفزه أبدا مقتل الآلاف من شعبه في غزة في الحرب الأخيرة. عباس طار إلى باريس بلا تردد في غضون أيام، بينما لم يدعُ يوما لتظاهرة ضد قتل نتنياهو لأطفال غزة؟!

 

لقد فضح الصندوق الأسود كل من باعوا ضمائرهم، ونافقوا أسيادهم، وتخلقوا بأخلاقهم، وارتضوا الإساءة للإسلام والمسلمين، ونسوا أن خلفهم شعوبا لها أخلاق وضمائر وهي لا تقبل هذا النفاق، وهي شعوب لا تنسى من أساء إليها وتعاقبه ولو بالدعاء عليه، وأحسب أن الاعلام الجديد قد امتلأ دعاء على تجار الضمير ، وتجار الدين.

 

إن للقادة صندوقا أسود، تماماً كصندوق الطائرة الأسود، الذي يتضمن الأسرار التي لا يعرفها العامة، بينما يعرفها من كتبوا صفحات هذا الصندوق بجرائمهم القديمة والجديدة.

 

لقد عثرنا نحن الضعفاء على الصندوق الأسود، كما عثرت ماليزيا على الصندوق الأسود لطائرتها المحطمة، غير أن صندوق باريس الأسود يخفي ضلال العالم ونفاقه، وهو أشد سوادا من صندوق الطائرة الماليزية؟!