في تعبير لطيف للمفكر الجزائري (مالك بن نبي) أنه حين تبزغ شمس الفكرة يختفي ليل الصنم. بكلمة أخرى هناك محور للحركة في نوعين من المجتمعات؛ مجتمع الفكرة ـ الإيمان ـ العقلانية مقابل مجتمع الوثنية: الأوامر ـ الطاعة المطلقة ـ اللاعقلانية. بكلمة محددة مجتمع (التوحيد) ومجتمع (الوثنية).
الأول محركه القناعة (الاقتناع والإيمان) أي (ناظم) حركته (الفكرة). الثاني منظم حركته ذراع (القوة).
من الملفت للنظر أن مجتمع القوة يعيش ويعمل بكامل الطاقة، ويحيا الناس في كنفه بدون حياة خوفا ورعبا، مثل كل مجتمع عبودي، لأنهم لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا. وبين الحين والآخر يفر البعض، لتتحول أمثال هذه المجتمعات خزانات بشرية للهجرة، كما رأينا في ألمانيا الشرقية قبل الانهيار العظيم عام 1989م.
هذا النموذج الممسوخ موجود منذ زمن بعيد. ولكن ثمرات كل شجرة مختلفة.
في القرآن أن الكلمة الطيبة تصبح شجرة تعطي أكلها كل حين بإذن ربها. كما أن الكلمة الخبيثة تصبح أيضا شجرة.
كل شجرة تعطي ثمرات نوعها؛ فيمكن أن تكون حسكا أو تينا، أو ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل.
هكذا جاء في الإنجيل والقرآن. فقد اختلط الأمر على الحواريين وهم يرون دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها.
رأى الحواريون الكتبة والفريسيين والصدوقيين من (المثقفين) الذين يحسنون صناعة الكلام، وأحيانا أيضا الكتابة. توجه المسيح لهم بالشرح احذروا الأنبياء الكذبة؟ كل شيء إلا أن يكون الأنبياء كذابين. لا.. إنهم فقط يرتدون من الخارج لباس القديسين والأنبياء والوعاظ والمثقفين، ومن الداخل نجاسات وعظام أموات. فاحترسوا من هؤلاء.
عجيب؟ كذبة حتى في لبوس الكهنة والأنبياء؟ إذن كيف سيتم الخداع؟ تأملوا الحرباء لتفهموا الدرس.
يشرح يسوع للتلامذة إنهم يأتون في ثياب حملان، ومن الداخل ذئاب خاطفة. ولكن كيف نعرفهم؟ كيف نميزهم؟ يجيب عيسى بن مريم: هل تنبت شجرة التين حسكا؟ أم أنبتت شجرة الحسك تينا؟ إذن من ثمراتهم تعرفونهم.
مجتمع الفكرة = القناعة = الإيمان محوره الأساسي الذي تدور حوله قيم المجتمع هي الفكرة، فلا يتحول الفرد فيه إلى عصا تضرب، أو بندقية تطلق، أو بوق يصوت بالنفخ.
هنا نقف أمام مسألة سلسلة الأوامر (Chain of Commands).
نموذج ذلك الطيار الذي يلقي بالبراميل المتفجرة على رؤوس الناس في حلب وقودها الناس والحجارة. كيف يتم هذا؟ كيف يفعل هذا إنسان؟ نعم إنه إنسان البندقية الذي تنازل عن آدميته.
كان المجرمون النازيون يقدمون إلى المحاكم بعد سقوط الرايخ الثالث، وكان جوابهم على السؤال كيف فعلتم ما فعلتم؟ إنها الأوامر التي لا نملك لها دفعا ولا ردا.
في الحرب العالمية الأولى حاول الجنود الألمان والإنجليز التصالح في الخنادق، بعد أن أنشدوا ترنيمة أعياد الميلاد من الخنادق المتقابلة؛ فهرع الجنرالات يطفئون هذه الروح بكل سبيل ممكن.
اليوم نرى الألمان والفرنسيين والإنجليز إخوانا في الاتحاد الأوربي ودعوا الحرب والضرب ويغنون سوية ويعبرون المانش من تحت البحر.
وحين يتذكرون ما كان يقولون لا عودة لهذه المستنقعات. أما نحن فمازلنا نخوض أوحال الحرب العالمية الأولى، متأخرين بضعة عقود بأسماء من القرآن وآل البيت. سيمضي هذا ويستمر حتى يعود الوعي من المنفى.
بشار الكيماوي لا يقتل ويفجر ويلقي الغازات السامة بيديه، بل بآلة من بشر، وآلية من (سلسلة الأوامر)؛ فهو يعطي الأمر لجنرال وغد مشترك معه في جرائمه وخمره ولياليه الحمراء، الذي يعطي بدوره الأمر إلى من هو أقل رتبة، ممن تحولوا إلى عصي وبنادق تطلق على الأوامر؛ فيكملوا طريق هذه الشبكة الجهنمية؛ فيتم التنفيذ بيد أقلهم شأنا من العساكر، وأغباهم، وأعتاهم فتكا وتدميرا، ممن يمارسون القتل المباشر بالرصاص والخناجر. فيعتادوا رؤية الآلام والدماء بمتعة. روى الكثيرون من سجن تدمر صورا منوعة لهؤلاء الأمساخ والويل لمن وقع في أيديهم. إنهم كلاب جهنم بجدارة.
(أتيين دي لابواسييه) شرح هذه الشبكة الجهنمية في كتابه (العبودية المختارة) قبل أكثر من أربعة قرون (1562م) ونفس الفكرة شرحها (روجيه غاروديه) بتحويل إرادة مجموعة من البشر (العساكر المسلوبين) بضغطها في إرادة الضابط، لتنضغط شريحة (إرادة) الضباط من جديد في إرادة الكولونيل، لتتحول مجموع إرادات الجنرالات في النهاية إلى إرادة الطاغية، من نموذج بشار الكيماوي وأتيلا وجنكيزخان وتيمورلنك وبول بوت وهتلر وستالين وبوتين.
والآن من هو المذنب؟ من هو المسؤول عن الجريمة؟ هل هو بشار الكيماوي؟ هل هو (مصطفى طلاس) وزير الدفاع المتصابي، الذي كان يوقع على شنق 150 ضحية في أسبوع واحد في دمشق في الثمانينات، كما صرح بذاك للصحفية (سوزان كليبل) وصورة رسم بيد هتلر فوق رأسه، من مجلة (در شبيجل Der Spiegel) الألمانية فنشرتها بعنوان أبجديات (جدول ضرب) الديكتاتورية؟ أم هو غازي كنعان وزير الداخلية الذي ذبحوه في مكتبه؟ أم الزعبي من مجلس القرود عفوا مجلس الشعب، الذي اغتالوه فأصبح قبره مكانا للرجم مثل قبر أبي رغال؟ أم (آصف شوكت) ملك الجان من المخابرات وصهر الطاغية الذي نسفوه ثم مشوا في جنازته؟
من هو المذنب من هو المسؤول؟ وكيف نفهمها من خلال مسألة (سلسلة الأوامر)؟
أذكر جيدا حين كنت معتقلا في (كراكون الشيخ حسن) وهو معتقل بعثي قديم مازال يحتفظ باسمه من أيام العصملية؛ رأيت فيه الناس وهم يعرون من ثيابهم مع نسمات الصباح الباكر وغفوة العباد، ثم يرشونهم بالماء البارد، ثم يجبرونهم على الركض مثل الكلاب المسعورة، والخيزرانات تأكل من أجسادهم وتلسع جلودهم.
كان المحقق الجهنمي (يوسف طحطوح) يطيب له تعذيب الضحايا مع نسمات السحر حيث يتوب المؤمنون ويتهجدون. كان تهجد هذا المجرم البعثي التلذذ بتعذيب الضحايا. ويومها نالني منه نصيب من التعذيب البطيء لعدة أيام؛ فهو فنان في الوصول إلى المعلومات، ولو بإخراج الأرانب من القبعات السوداء وتحويل أي بريء إلى شيطان مريد. إنهم سحرة البعث، وجنود إبليس، ورجال المخابرات في ثوب واحد.
بعد أن خرجت من قبورهم جلس بجانبي رجل مخابرات، عظيم الجثة، مسلح بفرد وخنجر، كبير الشاربين معقوفين اسمه رياض. يبدو أنه واقع تحت عذاب الضمير من جلد الناس وكتابة التقارير السرية.
قال لي بحذر وامتحان: شو رأيك في مهنتنا أستاذ؟
قلت له لقد شهد الله فيكم. قال وقد شهق: الله شهد فينا؟ قلت نعم. قال وما شهادته فينا؟ قلت يقول الله في محكم التنزيل: إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين، وأنت من جنود فرعون. غصت البلعة في حلقه، وقال ماذا تريد لي أن أعمل؟ قلت له اعمل حمالا في سوق الخضار؛ فهو أشرف لك وأنظف؛ فتلقى الله بقلب سليم. سكت هو وسكت أنا.
حسب (سلسلة الأوامر) فإن أي عمل اجتماعي تقوم به عادة عصبة من البشر، لكل امريء منهم ما اكتسب من الإثم، والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم، ولذا فإن الإثم في قتل السوريين، يبدأ من المرشد الروحي في إيران، ولافروف الروسي مرورا ببشار الكيماوي، وانتهاء بالأوغاد والعيارين والزعران والحرافيش من الشبيحة جنود فرعون.
يقول الرب عن فرعون يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود. وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين.


