الجمعة 02 يناير 2026 الساعة 01:42 م

مقالات وآراء

استنطاق الموتى

حجم الخط
د.خالص جلبي

جرت العادة أن الموتى لا يتكلمون، وإلى المحاكم لا يحضرون، وبشهاداتهم لا يدلون، أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون، ولكن العلم الحديث توصل إلى تطوير علم خاص بالمقابر والجثث وبقاياهم في إنطاق الموتى، واستحضار تعابير الوجه من بقايا الجماجم وهي رميم، وقراءة صفحات لغات منقرضة لم يبق حي واحد من أهلها ينطقها، وإحياء تاريخ شعوب بادت، وقصص حضارات انهارت وغيَّبها الزمن؛ ففي خبر مثير تم الإعلان قبل فترة عن إماطة اللثام عن جثة خليفة هتلر (بورمان)، وبقايا عائلة رومانوف بعد مرور أكثر من ثمانين عاماً على قتلهم جملة واحدة، في تسع جماجم في منطقة (كاترين بورج) تروي القصة الكاملة لمذبحة عائلة آخر قيصر (نيقولا الثاني) حكم روسيا.

ويقفز السؤال كيف عُرف أن هذه الجماجم لأصحابها؟ بل وكيف قضت نحبها بالإعدام الدموي؟ للإجابة على مثل هذه الألغاز تتعاون اليوم ضفيرة من العلوم، في سياق علمي كوني، لفك أحاجي اللغات المندثرة والعظام النخرة، في إنطاقٍ لأصحاب القبور بغير نطق، يدلون بشهادتهم في محكمة التاريخ.

طبيعة العلم أنه يتقدم بالجهد، وينمو بروح الفضول، واكتشاف المجهول، والعشق المعرفي، ويغذى بالمال، ويفرخ في مؤسسات البحث العلمي، ويزدهر في جو حرية التفكير، بدون كوابح وعوائق من مساءلات وتحقيقات ومخابرات، ويكتشف بالصدفة والحظ كمحصلة جانبية (كما في دواء الإفرنجي 606 قديماً، وصحن التيفال في المطبخ، وحبة الفياجرا للإنجاز الجنسي) ويعمر بالتراكم المعرفي، ويحقق التقدم والنفع ولو بعد حين (كما في تحقيق السلام العالمي من رماد هيروشيما) وما ينفع الناس يمكث في الأرض، والزبد يذهب جفاء، وزكَّاه القرآن فمنح الثقة لاثنين: العقل والعلم، وسحبهما من اثنين: الظن والهوى، وجمع المعنيين في نصف آية من القرآن (سورة النجم) عن مزيج الضلال (إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس).

يمتاز العلم بالحيادية فيتسخر لمن يكشف عن قوانينه، مهما كان توجهه العقائدي أو طبيعة الدين والمذهب الذي ينتمي إليه مسلم أو نصراني؟ شيعي أو شيوعي؟ نصراني أو ناصري؟ بعثي أو عبثي؟.

لا يقدم العلم استقالته في العادة ولا يعرف التعب، ولا يمسه نصب أو لغوب، ولا يملك زخمه التوقف، وكله من علم الله الواسع، الذي منح الإنسان فضلاً منه وكرماً أن يزداد علماً ويرتفع به. لا يعرف العلم (التابو) أو الحدود فيخترقها جميعاً، ويقفز فوق كل الحواجز في ناظم ذاتي خاص به؛ فينفذ إلى مفاصل السياسة، ودراسة الأديان المقارن، وإخضاع النصوص للدراسة النقدية، ويكتشف أسرار الجنس؛ كما في قصة العنة والباه قديماً و (الفياجرا) حديثاً، منذ أن حلم الفلاسفة بإكسير السعادة، وينبوع الشباب، وتكلم الدين عن جنة فيها الحور العين.

شبابه لا يعرف الهرم، وتمرده لا يسلمه إلى الاستحالة أو الركون، وقصة اكتشاف الماسة الزرقاء كما يسميها الكيماويون لمعالجة ( العنة والقصور الجنسي) عند الرجال تروي الصدفة فيها قصة أعجب من الخيال، وأجمل من الحلم.