دخلتْ مكتبي مرعدة مزبدة وقالت: كنت للتو في مقابلة مع الأجهزة الأمنية! ولأني أعرف أن ليس لهذه الطالبة عمل سياسي واضح يعرضها للمساءلة فقد تعجبت مما تقوله! وسألتها ما القصة فأخبرتني أنها قدمت امتحان الكفاءة الذي يأخذه جميع الطلاب الخريجين في الجامعات بغية تقييم مستواهم العام وتحصيلهم خلال السنوات الدراسية، وهذا مما لا بأس فيه غير أن المشكلة في الاضافة الجديدة هذا العام فيما لا يقل عن عشرة أسئلة ليس لها علاقة بأي تخصص أكاديمي وإنما بالتوجهات السياسية للطالب ورأيه في قضايا الاصلاح والعنف والتنظيمات والأحزاب والولاء والانتماء! والمقصود تحديد توجهات الطلاب من خلال إجاباتهم!! والسؤال الأخطر: لمن تعطى الاجابات والمعلومات عن الطلاب في حال لم توافق اجاباتهم ما تظنه الحكومة أو واضعي الإجابة النموذجية والمقبولة ضمن المنظومة والنظرة الأحادية للدولة التي تفرز كل من يقول نعم، ويختم دون كلام ضمن فئة الموالين وغيرهم ممن يرون امكانية الاختلاف والتنويع ضمن سقف الوطن وبما يخدم أيضا مصلحته ضمن المعارضة؟! وما تبعات هذا الامتحان الذي يظهر بواجهة مقبولة ويخفي خلفه أغراضا أخرى؟ وهل هذا يدل على تغلغل المؤسسة الأمنية في الجامعات وفقدان الجامعات استقلاليتها؟
بل ما تبعات توزيع كتيب الرسالة المفتوحة ردا على البغدادي وتنظيم داعش على الجامعات وعقد الجلسات النقاشية حوله؟ هل هناك خوف من انحراف شباب الجامعات وما سبب الخوف؟ وهل كانوا سيخافون لو كان عند شبابنا مناعة دينية وفكرية وانشغال بالعمل العام والمجتمعي تحصنهم من هذه الضلالات؟ ولكنهم أغلقوا عليهم نوافذ الاعتدال والوسطية وحق التعبير وحرية الرأي والعمل ثم قالوا لهم لا تتطرفوا!
مع أن الحياة لا تعرف الفراغ والشباب إن لم ينشغلوا بالحق سيجد الباطل اليهم سبيلا لا محالة مع زيادة الفساد والأعباء والفتن!
وأي تناقض هذا الذي تمارسه ادارة الجامعات وهي تمنع الطلاب من ممارسة العمل السياسي والحزبي في أبسط صوره بل تقيد الممارسة الانتخابية بتعيين نسبة لا بأس بها من الطلبة في المجالس الطلابية يتم اختيارهم بمحاصصات لا علاقة لها بالتفوق الاكاديمي او العملي او خدمة المجتمع!
ليس من المحمود أن تسيطر العقلية الأمنية وتجد لها ذراعا في مؤسسات يجب أن تتسم بالنزاهة والاستقلالية والشفافية كالجامعات لدورها الخطير والمؤمل في افراز قيادات مستقبلية! ولا ندري أي فكرة جهنمية كانت وراء ادراج اسئلة أمنية في امتحان جامعي لجمع المعلومات دون أن يحس الناس؟ وبدل أن تصبح ورقة الاسئلة والامتحان احدى الوسائل للحرص أن يدرس الطالب ويستفيد ويبدع تصبح وسيلة لإسقاطه وادانته؟؟ وماذا ينتظرنا عندما يصبح الخوف سيد الموقف في قلوب الشباب أو النفاق أو النفعية مقابل التخرج بسلام والحصول على شهادة أيا كان الثمن وربما حسن سير وسلوك ووظيفة أيضا!
لقد ذهب الزمان التي كانت مدارسنا، نعم مدارسنا ومدرسة السلط شاهدة، تخرج قيادات الأردن وفُرّغ معظم الطلاب من العلم والعمل النافع فاشتغلوا ببعضهم يضربون ويقتلون على النظرات والكلمات والفتيات والعائلات!
فهل مجالس أمناء الجامعات التي تتغير كل فترة ترضى بهذا التردي، وأي أمانة وأمناء يرضون بهذا الاختراق؟! أم أنهم أشخاص مختارون بعناية على الفرازة أيضا لأخذ رواتب مجزية لإمضاء ما تريده الحكومة؟!
