الجمعة 02 يناير 2026 الساعة 01:43 م

مقالات وآراء

حملات للعمل التطوعي من التكنوقراط

حجم الخط
د.خالص جلبي

لنتعلم من الدرس الكندي. مهندسو الكمبيوتر عملهم طقطقة الكي بورد والتحديق في الشاشات. كل نهارهم تذوي عيونهم وهم أمام شاشات تلمع، والظهور تحدودب، وطنين الأجهزة لا يتوقف بين نت وطباعة وماوس وحفظ وقص. هذا هو عمل التكنوقراط، وخبراء الكمبيوتر في العادة، ولكن شركة الكمبيوتر «SPA» خرقت هذا التقليد حين منحت الموظفين يوماً مدفوع الأجر للنزول من مكاتبهم، ومفارقة كمبيوتراتهم لينزلوا إلى الشارع متطوعين مساعدين في العمل الاجتماعي. سألت محمداً الذي يعمل في الشركة ومقرها مونتريال ماذا عملتم هذا العام؟ قال ذهبنا إلى الحقول الخضراء، وتسلطنا على نوع من الشجر نخلص التربة منه لأنه يؤثر على شجر القيقب «Maple» وزرعنا محله شجر القيقب. كم كانت الغرسة؟ قال: لا.. هي صغيرة ولا تحتاج لعمق كبير. كندا هي أم وأبو الغابات، وفيها من الأشجار جنتان مدهامتان. ومع أنها تحصد كثيراً منها، وبيوت الخشب واستعمالاته هائلة عندهم، ولكنهم لا يقطعون شجرة إلا وزرعوا بدلا عنها خمسا. وهكذا فالبلد مغطى بثوب قشيب، رداؤه من سندس واستبرق، مذكرا بجنة وعدها الله عباده المتقين كانت لهم جزاء ومصيرا.

 

قلت له وفي العام الماضي ماذا فعلتم؟ بعد أن أقفلتم خلفكم الكمبيوترات؟ قال كلفونا أن نذهب إلى مدارس للأطفال فندهن الجدران والغرف. في المرة السابقة تعلموا الصباغة والدهان. والحالية تعلموا الزراعة والبستنة. إنها فكرة خلاقة أن ينتزع الإنسان من روتين عمله اليومي، ليعمل عملا جديدا مستحدثا. صباغا ونجارا وسباكا وعتالا وجزارا وبستنجي. هناك من يستهجن مثل هذه التصرفات، وأنها تضييع للوقت، وكيف تنفق الشركة المذكورة أجور يوم كامل، في عمل تطوعي لفائدة أناس لا يعودون عليها بالنفع. إنه فهم اجتماعي عميق عن تبادل الخدمات وبناء المجتمع. ومن ينظر في الحدائق ونظافتها، والأرصفة العريضة المعشوشبة، وجداول المياه، ونظافة البرك، والأناقة حيث تقع عين الإنسان يدرك أن خلفه عملا كبيرا. إنها عبقرية التفكير للأمام في تخطيط المدن. قست اليوم شارع الحارة حيث تسكن ابنتي كان الرصيف الأخضر عشرة أمتار في كل جانب، وعرض الشارع عشرة، فيكون عرض الشارع العادي ثلاثين مترا.

 

قلت في نفسي سوف يستخدمه الناس والساكنة لمدة قرن كامل. في مدينة مغربية حيث أسكن طرفا من الوقت، وبجنب بيتي وفي مساحة لا تتجاوز ثلاث فيلات، حيث رأيت في مونتريال، جاء منعش عقاري وبنى مثل أعشاش الحمام 25 فيلا. سورها بسور فزادت قباحة، ليعمل في الوسط بركة ماء تافهة، وقال عنها فيلات. عجيب الأرض هي الأرض ولا ينقص المغرب مساحة، لماذا؟؟ إنها الخدمات. قلت لا يعرفون البناء. هنا تشتغل العبقرية الإنسانية في كل الظروف. صحيح أن كندا تأخذ ضرائب من مواطنيها، ولكنها لا تسرقهم، بل تقدم الخدمات في كل زاوية. الحضارة في النهاية ليست أموالا؛ بل روحا تتدفق في كل مكان وخدمة. وفي هذا يقول المفكر الجزائري مالك بن نبي إنه لو أمطرت السماء ذهبا وفضة ما ارتفع التخلف. أذكر من تجربة البناء عندي في الجولان السوري، وارتكبت الخطأ الفادح حين قررت البناء، لأصل إلى القناعة التي تقول، مهما صرفت من مال؛ فلا يمكن أن تصل إلى تلك الأناقة اللماحة التي تلحظها في الفيلات الكندية.