رغم لونه الأسود، إلا أن له جمالاً فتانًا، يسحرُ العيون، وإليه تهوي الأفئدة، وتُوضع الخطط وتستعد جيوب الجشعين من البشر لاستقبال عائداته عليهم، فما إن يدخل لبلد من البلدان حتى يحولها لمعالمَ تسرُ الناظرين، وتحفظ الأبرياء المحرومين من برد قارصٍ أو من صيف لاهب، وليس انتهاء من حيوانات ضالة تهدد أطفاله وأفراد أسرته.غزة
وقف ذلك “الأسود” خلال الحرب على غزة في يوليو 2014م حزينًا مهمومًا؛ فكيف لا يحزن ويتألم وهو يشاهد السعادة التي بناها إخوانه على مدار سنوات طويلة تتهاوى تحت قذائف الاحتلال الصهيوني وصواريخه؟
وما هي إلا شهور قليلة حتى انقلبت هموم “الأسود” وأحزانه إلى سعادة غامرة، خاصة بعدما شاهد المليارات التي وعد بها المانحون في مؤتمر إعادة إعمار غزة بالقاهرة؛ فقد أدرك أن سوقه سوف تزدهر، ومحبته ستزداد، فالكثير من أهل غزة يشتاقون لمصافحته وإعادة السعادة لبيوتهم من خلاله، كما أن “الأسود” يطمح أن يكون مساهمًا في الوقوف إلى جوار شعب تخلى عنه كل البشر في بقاع الأرض كافة، وتركوه وحيدًا في حلبةٍ بصحبة ذئبٍ مفترس، لا يعرف للإنسانية معنى أو شكلاً!
انتهى مؤتمر الإعمار، ولم يتوقف تراقص “الأسود” للفرحة التي عادت عليه بعد حزن شديد، لكن لتحقق فرحته كان عليه أن ينتظر كثيرًا من الوقت، إذ يجب أن يقدم من هو بحاجة له طلبًا بذلك، وأن لا يطلب أكثر من حاجته وإلا حُرم سعادة احتضان “الأسود”، وتقوم الجهات القائمة على الإعمار بالموافقة على كمية “الأسود” التي ستُعيد بعضًا من السعادة لذلك الفلسطيني المنكوب، وبعد موافقة تلك الجهات يتجه الطلب إلى جيش الاحتلال الصهيوني للتأكد بأن الكمية التي سيمنحها من “الأسود” لن يذهب ما يزيد منها لكتائب القسام فتبني بها الأنفاق، وإن كانت هذه أمنية “الأسود” نفسه؛ لإدراكه الظلم الواقع على أهل غزة، ورغبته في انتقام القسام لأهلها من خلال تلك الأنفاق.
وخلال أمواج متلاطمة من التفكير لدى “الأسود” جاءه البشير يخبره بأن رحلته ستكون يوم غدٍ إلى غزة، ومنذ لحظة البشرى لم يتوقف عن التراقص طربًا بقرب تحقق سعادته بسعادة أهل غزة، وفي الصباح أمسك به (شلومو) بعجرفته المعهودة، وألقى به في شاحنة قديمة.
أدار صاحب الشاحنة محرك عربته وانطلق صوب حدود غزة، وعلى الفور وصل إلى معبر كرم أبو سالم، وخلال الرحلة أخذ “الأسود” يكذّب أقوال جيرانه بأن رحلته ستكون طويلة؛ فقد وصل للمعبر في وقت قياسي، وخلال التوقف قليلا انتبه “الأسود” لصوت المذياع يتحدث عن وصول الأمين العام للأمم المتحدة (بان كي مون) لغزة، حينها هز “الأسود” رأسه وأدرك أن وصوله بهذه السرعة، إنما هو لإظهار مصداقية جيش الاحتلال الصهيوني والأمم المتحدة في حديثها عن دعم غزة!
غادر (بان كي مون) غزة بالتزامن مع دخول “الأسود”، وصل فتهلل له الناس، لكنه ذهب لمخازن حبسته عن المحتاجين له. انتظر “الأسود” أياما حتى أتاه قرار بالإفراج، فكان نصيبه أن يكون للمواطن (أبو محمد) الذي دمر الاحتلال الصهيوني بيته بشكل كبير.
ترجل “الأسود” برفقة خمسة من إخوانه بعد موافقة العدو الصهيوني على ذلك، تلقاهم (أبو محمد) بحزن شديد، وأخذ يضرب كفيه ببعضهما، بينما “الأسود” وإخوانه في حيرة من أمرهم لم تدم طويلا، حينما علموا أن حصة (أبي محمد) كان يجب أن تكون تسعين كيسًا من “الأسمنت الأسود”، وليس ستة أكياس فقط، ولحزن (أبي محمد) عاد الحزن من جديد لستة من أكياس “الأسود” التي تمنّت أن تكون سببًا في سعادته، وليس أداة لإعادة حزنه وألمه!


