صرخت ريتشل (راحيل) أنا لست من لاتفيا أنا لست روسية أنا أمريكية!. عمق المرارة وسوء الذكريات من أرض ستالين كانت بحجم جبل قاف. قالت تقدمت بطلب مغادرة البلد وأنا فتاة في عمر 17 عاماً. ولم أحصلها إلا بعمر الأربعين! شهقنا جميعاً ونحن نسمع القصة واغرورقت عيون ابنتي عفراء بالدموع : رحلة انتظار لمدة 23 سنة من أجل الخروج من الجحيم الشيوعي! زوجها وهي خبيران في الكمبيوتر. جادان في العمل. قالت طفلي الوحيد لم يكن ثمة غذاء كاف له. جعنا. لم نكن نملك شيئاً. قاسينا واعتورتنا الأيام كنا نعيش على الكوبونات وفي المحال ليس كل شيء متوفراً. كنا نريد الخلاص وما من خلاص. أخيراً وبعد رحلة الخوف وطول الانتظار والفقر والجوع جاءهم الفرج فهربوا إلى إيطاليا. هناك اشتغلت في تنظيف البيوت. ليس من مشكلة. العمل ليس عيباً. طفلها بعمر السنة عاش في إيطاليا الجميلة معهم. قبل أن يقفزوا القفزة الكبرى باتجاه أرض الأحلام أمريكا. دخلوا أمريكا وبدأوا في العمل. اشتغلت بنفس الطريقة تخدم في البيوت، ويتحسن دخلها تدريجياً، إنها أرض إمكانيات. وتتقدم لوظائف جديدة ويتحسن وضعها المالي عاماً بعد عام. أخيراً دخلهم عامر، وجيوبهم مملوءة، وعملهم رائع، ونجحوا في الأرض الجديدة، ونشأ الطفل (يان) ليشتغل في العلوم العصبية وليأخذ وظيفة محترمة، وليتزوج لاحقاً فيرزق بغلام زكي. من أغرب الحادثات. فرح به جده فأراد القدوم إلى حفيده ليراه في يوم عيد ميلاده الأول. هناك ومع موجة الفرح تكلل اليوم بحزن وصدمة، فقد فاجأته نوبة تشنجية صرعية. حين روى من روى لي القصة قلت إنه ورم دماغي، أو رض على الرأس قديم. لم ينتبه الجد العنيد لخطورة التشخيص إنه ورم؟ قال لن أدخل أي عملية وإن كان الموت فأهلاً به. كانت النصيحة أن لابد من العملية فالمكان في الحفرة الخلفية في الدماغ، حيث مركز الرؤية والإبصار. قالوا له مشجعين على العمل الجراحي قد تنجو وترى حفيدك لمزيد من الوقت. دخل العملية ليتبين أنه ورم من النوع الخبيث. خرج من العملية ومشى برجليه وبطش بيديه وكان محظوظاً. ولكن مركز الإبصار نال منه المرض، لم يعد يبصر القسم الأيسر من الرؤية. هنا تذكر الجميع رحلة الهجرة من الاتحاد السوفيتي السابق، أثناء هذا زار الجد في عيد ميلاده التسعين قبل أن يموت. أما هي فزارته في 10 سنين مرة واحدة، لتقول لا أريد العودة قط إلى هذا البلد. مع أن البلد استقل عن روسيا، وهو في طريقه للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. في الطب كما حصل مع صاحبنا هذا في إصابته بالورم الدماغي من نوع الجليوما الخبيث. كذلك تصاب المجتمعات بالتورم الخبيث. كما هو الحال أيضاً في السرطان البعثي العبثي الطائفي في سوريا، كما هو الحال في تصدع ألمانيا ثم التحامها بدون عافية. إن مريض العناية المركزة حتى لو تعافى ورجع إلى الحياة العادية يحتاج فترة من التأهيل طويلة، هي في حياة الشعوب عقود من الزمن. وفي سوريا حتى لو علق بشار البراميلي من عقبيه في ساحة المرجة، كما كانت نهاية موسوليني، أو وضع في برميل نفايات للبصاق عليه من جمهور شامت. لايعني هذا أن الأمور ستعود لطبيعتها في وقت قصير. وهو الذي جعل السيدة الليتوانية تصرخ دوما بالإنجليزية بلكنة ثقيلة أنا أمريكية … أمريكية هل تفهمون.. إنها البراءة الكلمة كما قال إبراهيم يوماً إني بريء منكم ومما تعبدون من دون الله.


