السبت 24 يناير 2026 الساعة 06:53 ص

مقالات وآراء

سياسة حبات المطر وتجنب الدماء

حجم الخط
د. يوسف رزقة

ثمة مجموعة من المفارقات المثيرة بين الموقف التركي والموقف الأميركي من قضايا المنطقة الساخنة. تركيا تعلن أنها تؤيد التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة، ولكنها في الوقت نفسه لا تشارك فيه، ولا تسمح للطائرات الأميركية باستخدام قاعدة ( انجرلك) التركية.

 

ومن زاوية أخرى ترقب تركيا القتال الدائر في مدينة عين العرب ( كوباني)، بين أكراد سوريا والتحالف من جهة، وتنظيم الدولة الإسلامية من جهة أخرى، ولا ترى لها مصلحة لا في تدخل القوات التركية البرية في القتال إلى جانب الأكراد، ولا في إمداد أميركا للأكراد بالسلاح من الجو بدون موافقة تركيا، خشية أن يرتد هذا السلاح لاحقا ضد تركيا، حيث تصنف تركيا تنظيم حزب العمال الكردستاني الانفصالي منظمة إرهابية. وفي الوقت نفسه تعلن تركيا أنها تخشى من انتصار تنظيم الدولة، واستقراره على حدودها.

 

إنه وبسبب تعقيدات المعارك في عين العرب (كوباني)، وفي سوريا بشكل عام، وبسبب الموقف الأميركي المثير للريبة والقلق، نظرت تركيا في مصالحها المباشرة والمستقبلية أولا ، وقدمتها على مصالح الحلفاء ، ولو أغضب موقفها الإدارة الأمريكية.

 

تركيا المسكونة بالقلق، امتحنت الإدارة الأمريكية فطلبت منها ومن التحالف الإقرار بمصالح تركيا، والموافقة على طلبها بإقامة (منطقة آمنة) داخل الأراضي السورية المحاذية للحدود مع تركيا، وحماية المدنيين السوريين داخلها، وعندها ستكون عين العرب (كوباني) جزءا من المنطقة الآمنة، غير أن الإدارة الأمريكية لم تستجب للمطالب التركية؟! وتصرفت باستعلاء أغضب الحكومة التركية ، وبلغ الغضب أشده في شكل احتجاج على إسقاط السلاح من الجو على أكراد عين العرب ( كوباني ).

 

هذه المفارقات المثيرة، والساخنة، جعلت المراقبين يتحدثون عن ( شبه قطيعة) في علاقات البلدين، الأمر الذي زاد من حذر القيادة التركية التي تتخوف من موقف معاد لمجموعة من الدول في المنطقة بالتعاون مع قوى دولية لنقل الصراع ، ومشاكل المنطقة إلى داخل الأراضي التركية، لضرب استقرارها، وضرب نموها الاقتصادي المضطرد، وضرب قيادة أردوغان وحزب الحرية والعدالة الحاكم.

 

تركيا أردوغان ليست على وفاق مع استراتيجية إيران في سوريا وفي المنطقة. وهي على عداوة صريحة الآن مع النظام السوري، وتطالب بإسقاط الأسد بدون مواربة. وهي ليست على وفاق أيضا مع الموقف السعودي، والإماراتي، ولديها متابعة استخبارية للموقف الإماراتي الذي تتهمه بالتدخل في الشأن التركي الداخلي، إضافة إلى تدخله في مصر وليبيا. وتركيا على عداوة صريحة مع النظام المصري، وتراه انقلابا يجب العمل على إزالته. وهي في خصومة غير مسبوقة مع السياسة الإسرائيلية في المنطقة، لا سيما في غزة، وهي ترصد محاولات (إسرائيل) القوية لاتهامها برعاية الإرهاب. وفي الوقت نفسة تركيا قلقة جدا من مشروع تقسيم العراق، أو تقسيم سوريا، لأنها ترفض إقامة دولة كردية مستقلة في المنطقة.

 

إن مجمل هذه الأحوال، والمفارقات، تجعل تركيا التي رفعت شعار ( صفر مشاكل) في علاقاتها الخارجية، قلقة جدا، حيث تلاحقت عليها المشاكل من خلال دول الإقليم ، والسياسات الدولية في المنطقة، الأمر الذي أفسد على تركيا سياستها التصفيرية، وأخذت دول الجوار والإقليم تبعث إليها بمشاكل عابرة للحدود.

 

تركيا أردوغان ترقب الأوضاع, وتسير قيادتها بحذر شديد بين حبات المطر، حتى لا تتبلل ملابس شعبها بالدماء. هذه السياسة الحكيمة تقدم دروسا في الحكم والإدارة للقادة حين تتراكم المشاكل، وتتزاحم الأخطار، والحكمة ضالة المؤمن دائماً.