في مناطق الحروب والنزاعات تزدهر ما تُسمى “تجارة الموت” ويبدأ من يقومون بها عمليات سلب ونهب في أموال الإغاثات القادمة للمنكوبين والمُهجرين من بيوتهم قصراً، وهذه العمليات إما أن تكون تحت تهديد السلاح، أو بوسائل أخرى ابتكرها تجار الحروب في غزة حصراً مع غياب المحاسبة لهم.1
في شهر أغسطس عام 2014م وبينما كان العدوان على غزة قد بلغ ذروته نشط أولئك التجار الذين يجدون ضالتهم في عويل النساء وبكاء الأطفال، أتذكر يوما توجهت خلاله إلى أحد مراكز إيواء المتضررين والفارين تحت نيران قذائف وصواريخ الاحتلال الصهيوني. وخلال عملي الصحفي وصلت إحدى الشاحنات المحملة بعشرات الفرشات والأغطية، وبدأ مسئول إحدى الجمعيات تنزيل ما فيها حيث أنزل عشرة فرشات، وانتشرت الكاميرات وبدأت عمليات التصوير، وبعد الانتهاء من التصوير أعاد الفرشات للشاحنة وقرر الخروج والتوجه لمركز آخر، حينها سألته: لماذا توزع المساعدات ثم تأخذها؟ فأجابني قائلا: هذه ليست مساعدات وإنما تصوير للمتضررين حتى نجلب لهم مساعدات!!.
وخلال العدوان أصيب مجموعة من عناصر الشرطة الفلسطينية “لا يزال أحدهم يعاني حتى الآن بعد إصابته بجراح أرقدته سرير العناية المكثفة لأكثر من ثلاثين يوما”، أصيبوا بينما كانوا يقومون بتأمين إحدى قوافل المساعدات الطبية وغيرها حينما كانت على أبواب المستشفى الأردني، حينها هاجمتها وأطلقت النار على رجال الشرطة إحدى مجموعات تجار الموت من إحدى العائلات الكبيرة في غزة، مستغلة بذلك الحركة الصعبة لرجال الشرطة الفلسطينية في تلك الأوقات.
القصص كثيرة في هذا الإطار، وهي بالإطلاع على أفعال البشر فيها تحل مكان الشياطين وتستبدل دورها، غير أن الأشد خطورة فيها ما يقوم بتجارته هذه بغطاء رسمي، وقد تمكنتُ من الوصول إلى ثلاثة من النماذج:
مستشفى معروف في قطاع غزة وله تاريخ في العمل الصحي والإغاثي، ويقع في إطار المستشفيات الأهلية، تلقى خلال أيام العدوان خمسين كابونة من أحد وجوه الخير المعروفة في القطاع بغرض توزيعها على الموظفين في المستشفى، لم يتم توزيع تلك الكابونات، وبعد انتهاء الحرب مباشرة تفاجأ الموظفون بإعلان في المستشفى لمن أراد شراء منتجات كذا وكذا “الكابونات بعد تفريغها”، وبعد السؤال والتحري تبين أن أموال تلك الكابونات لم تدخل إلى صندوق المستشفى وتجاوزته إلى السكرتيرة مباشرة، والسؤال: إلى أين ذهبت الأموال؟. وخلال عيد الأضحى المبارك قدمت إحدى الجمعيات الخيرية الخارجية 500 كيلو جرام من لحوم الأضاحي لتوزيعها من قبل المستشفى على الموظفين الذين لم يتلقوا رواتبهم منذ عدة شهور، لكن الكلاب الضالة تلذذت على تلك اللحوم التي تم رميها على مكبات النفايات بعد فسادها لتأخير توزيعها، والسؤال: من المسئول عن ذلك؟ وهل الكلاب أحق بلحوم الأضاحي من أبناء الشعب الفلسطيني المنكوبين؟.
مستشفى آخر أكبر كثيرا من السابق، واسمه يحتل مكاناً بين المواطنين الفلسطينيين في قطاع غزة، ومن ضمن ما يقوم به تقديم الكابونات والمساعدات للمواطنين منذ تأسيسه بعد قدوم السلطة الفلسطينية. خلال أيام الحرب وما بعدها تلقى آلاف المساعدات النقدية والعينية، وبين الفينة والأخرى يكتشف القائمون عليه غياب مئات الكابونات من مخازنه وتبدأ عملية التحقيق، لكن يتم إغلاق الملف بلا ضجيج أو ضوضاء بأوامر من قيادة التنظيم، التي تعلم ما لا يعلمه مدير المستشفى “الطرطور”، وآخر القصص التي وقعت تمثل في فقدان 352 كابونة قيمة كل واحدة منها 123 دولار أمريكي.
وقبل نحو عشرة أيام بدأ نشطاء يتداولون ما قالوا إنها وثائق تتحدث عن فساد كبير وعمليات سطو وبيع لمئات الكابونات في سوق الزاوية بغزة من قبل شقيق قيادي في أحد الفصائل الفلسطينية يسكن بمحافظة خانيونس، والمعلومات التي تم تناقلها تتحدث عن أرقام كبيرة من الأموال التي كان يجب أن تصل للمواطن الفلسطيني الجريح والمنكوب، بينما لم يحدث من ذلك شيء على أرض الواقع.
إن الواقع للأسف الشديد- وإن كان فيه الكثير من الجهات والأشخاص الذين يقومون بعملهم الإغاثي للمنكوبين على الوجه الأمثل ويستحقون كل التقدير والاحترام-، إلا أنه يعكر صفوه ويشوه نزاهته تجار الحروب الذين تزدهر أعمالهم على أنات وآهات المنكوبين، ولذلك فأعتقد أن المطلوب وبأسرع وقت ممكن تشكيل هيئة أو لجنة مستقلة وذات وزن في المجتمع تكون مهمتها متابعة العمل الإغاثي في قطاع غزة، ويتم منح هذه الجهة سلطات واسعة في اتخاذ وتنفيذ القرار، فبعض “تجار الحروب” هم قيادات في مناطقهم أو تنظيماتهم، ولذلك فنحن بحاجة لجهة تتمتع بسمعة طيبة وثقة عالية لدى أفراد المجتمع.
إن مثل هذه الجهة تتلخص مهمتها في التحقيق والفحص لتلك المساعدات ومعرفة الجهة التي تذهب لها، فإن لم تكن تتم العملية على الوجه الأمثل قامت اللجنة على الأقل بإنذار من يتلاعب بمعاناة الناس مرة وأخرى قبل أن تقوم بفضحه على رؤوس الأشهاد لتُوقف الدعم المقدم له من الجهات الخيرية “داخلية أو خارجية”، وليذهب ذلك الدعم لأصحاب الأيدي الطاهرة والعفيفة. آن الأوان أن نقف بقوة في وجه كل المتاجرين بفلسطين الوطن والقضية.


