تحاول الهندسة النفسية فك هذا اللغز الإنساني لفهم جدليته المحيرة. وقديماً حاول الإمام الغزالي فهم مراتب الوجود فقال بأن الحقيقة تمر من خلال مستويات تضعف فيها المرة بعد المرة كما يمر الضوء عبر أوساط شفافة مختلفة فيتعرض للانكسار في كل وسط يتخلله. فبين الحقيقة الخارجية وكتابتها مراحل من «الفلترة المشوشة» قبل أن تصل إلى مرحلة النطق اللغوي وتختم باللغة المكتوبة في النهاية.
ومن هنا، فإن طبيعة الاتصالات المتمثلة في «الكتابة» أو «النطق» أو «المقابلة الشخصية» تدخل الخلل إلى صحة المعلومات على نحو مأساوي؛ بسبب أن «الكلمة» يابسة بريئة ولكن «النطق» يحمل «لحن القول»، والرؤية تحمل قسمات الوجه وما تخفي السريرة، قال تعالى «ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول». فهنا تدخل على الخط لغة جديدة هي «اللغة السيميائية».
وقام فريق بحساب مقدار وصول المعلومة أي «المردود الاقتصادي» الفعلي للحقيقة المشوهة من خلال الكلمة «المكتوبة» أو «النطق» أو «المقابلة المباشرة»، فكان على الترتيب 7% ثم 38% ثم 55%، ويعني هذا أن المعلومة مع كل المحاولات لا تتفرغ عصبياً بشكل كامل، وربما سيحدث هذا للمستقبل إن استطعنا أن نفعل هذا كهربائياً بتفريغ كامل شحنة الأفكار والتصورات من دماغ إلى دماغ أو من الكمبيوتر إلى الدماغ وبالعكس، مع ملاحظة أن ما يستقبله الدماغ هو قسم ضئيل من الحقيقة لأنه يتغذى بالحواس الثلاث الأساسية ويرمز لها VAKمن أصل ست حواس وهي مختصر للرؤية والسمع والحركة (Visual Auditory Kenthetic). وهي محدودة بشق بسيط من كون حافل بالموجات.
الخلاصة التي نصل إليها هي ثلاثة أمور: إنَّ كل من يدعي فك أسرار الإنسان نهائياً هو إما أن يكون مغفلاً أو مدَّعياً، وأن الإنسان يشبه المحيط يتم اكتشاف بعض الجزر فيه من حين لآخر التي تنفع في الرسوِّ ومتابعة اكتشاف هذا المحيط الذي لا يكف عن الاتساع، وثالثاً أن من يدعي فهم كامل الإنسان من أجل السيطرة على تصرفاته واهم، حيث تتكسر كل نظرية عند عتبة قدمي الإنسان، وهذا بعبارة أخرى يعني أن الإنسان مجهول ومعلوم في نفس الوقت في زاوية تزداد اتساعاً ومع كل جواب تقفز من جديد مجموعة أسئلة.
والمهم، هناك من يدعي هندسة نفسية يمكن بواسطتها التحكم في الإنسان!، ونحن نعرف من تاريخ العلم أن علم نفس «الفرينولوجيا» تحمس له العلماء كثيراً ولم يكن يتطلب أكثر من تمرير اليد على الجمجمة وتعرجاتها للحكم على ملكات الإنسان وطبيعة كيميائه ومزاجه، ثم ظهر أنها لا تزيد عن دجل.
