الأربعاء 28 يناير 2026 الساعة 02:19 م

مقالات وآراء

“أبو كرتونة” والأقصى

حجم الخط
أيمن دلول

جلس (أبو كرتونة) وركن ظهره لجدار اعتاد الجلوس بجواره منذ عقود من الزمن، جلس ومعالم التعب والإرهاق ألقت بظلالها على جسمه الهزيل، فالمسيرات التي لم تتعب منها أقدامه باتت تعود بالتعب على جسمه بعدما انحنى الظهر واشتعل الرأس شيبا.

 

مواجهات القدس

وبعد سنوات من العمل اعتقد صديقنا (أبو كرتونة) أن الصحة الجسمانية التي يتمتع بها تشبه تلك التي كان يمتلكها يوم قرر الخروج نصرة للمسجد الأقصى المبارك قبل نحو عقدين، حيث أمسك قلما وكرتونة حين ترامى لمسامعه نبأ اعتداء قوات الاحتلال الصهيوني على المسجد الأقصى والمدينة المقدسة، وفي تلك الأوقات كتب على كرتونته عبارة “باب الأقصى من حديد.. ما بيفتحه إلا الشهيد”. خرج (أبو كرتونة) في تلك المسيرة ولمحه من بعيد أحد رجالات المقاومة الفلسطينية فقرر أن يجعل من عبارته المكتوبة على الكرتونة واقعًا ملموسًا وليس مجرد شعار.

 

وعلى الفور رجع ذلك الشاب لمجموعته المجاهدة، وبدأوا سلسلة عمليات حولت ليل المحتل الصهيوني إلى نهار، ونهاره إلى نار، حينها أخذ العدو يردع مستوطنيه كلما قرروا الاعتداء على الأقصى خشية انتقام من رجال مقاومة باسلة يتربصون به الدوائر.

 

وخلال جلسته عاد (أبو كرتونة) بذاكرته للوراء، وأخذ يتصفح شريط ذكرياته تارةً ويعود لقراءة ما كتبه على كرتونته تارةً أخرى، يحاول جاهدًا معرفة السبب في هذا التغير والفتور عن نصرة الأقصى، لكنه لا يجد إجابة واضحة.

 

أخيرًا، وبعد طول تفكير قرر (أبو كرتونة) أن يبدأ التغيير من نفسه، فقد تسلل إلى عقله أن الخلل ربما يكمن فيه وفي رجعية الأساليب التي يستخدمها، الأمر الذي جعل من العبارة التي استخدمها لا تُقنع رجال المقاومة الأبطال، فكتب على كرتونة أخرى: “القدس في خطر”.

 

وبعد أن كتب عبارته الجديدة قرر (أبو كرتونة) أن يخرج في مسيرات النصرة للمسجد الأقصى في مختلف أرجاء فلسطين، وهو يؤمن أنه “ما حك جلدك مثل ظفرك”، حتى وإن كانت فلسطين والقدس لكل المسلمين وواجب الدفاع عنها يقع على كاهل الجميع، لكن الحقيقة التي أدركها أن العرب والمسلمين يعيشون هذه الأيام في كهف لم تشرق شمسه بعد، فعلينا نحن الفلسطينيين أن نواصل إشعال جذوة نضالنا للأقصى حتى يصحو المسلمون ذات يوم.

 

بدأت مسيرات (أبو كرتونة) في رام الله المحتلة، وإلى أحد أكبر مساجدها كانت وجهته، وقبل الدخول للمسجد لَحِظ انتشارًا أمنيًّا فلسطينيًّا من مختلف الأجهزة بشكل غير مسبوق، تسلل الاطمئنان إلى صدره أخيرًا، خاصة وهو يشاهد حجم التجهيزات والمعدات لدى تلك العناصر التي انتشرت في محيط المسجد. وطوال خطبة الجمعة لم يعِ (أبو كرتونة) من الخطبة شيئًا، وكان كل تفكيره في أول شيء سيفعله بعد تحرير تلك العناصر للقدس في هذا اليوم المشهود، حيث تخرج المسيرات الجماهيرية في كل المحافظات الفلسطينية.

 

انتهت صلاة الجمعة، وخرج (أبو كرتونة) يشق صفوف المتظاهرين حتى وصل للعناصر الأمنية التي بادرته ضربًا وتكسيرًا وتحطيمًا لـ(كرتونته). دارت الدنيا به، واستيقظ ليجد نفسه في غرفة ذات جدران زرقاء: أين أنا؟ هل حررنا القدس؟ جاءه رجل يرتدي نظارة سوداء وصاح به: أنت في مقر شرطة رام الله، وما دخلك في القدس أنت؟ أليست للعرب والمسلمين؟. حينها استفاق (أبو كرتونة) من صدمته قبل أن تُلقي به تلك العناصر خارجًا، والتي اعتقد للوهلة الأولى أنها كانت تستعد لتحرير القدس، بينما الحقيقة أنها لمنعه من ذكر اسم القدس على لسانه.

 

مضى (أبو كرتونة) يميل ذات اليمين وذات الشمال، فالألم الذي أورثه إياه عناصر من عمر أبنائه شديد، وجلس في منتصف الطريق، وحمل كرتونة جديدة كتب عليها: “الأقصى في خطر”، وقرر التوجه إلى غزة ليتظاهر هناك.

 

وبعد ساعات وصل ليجد مسيرة طويلة تجوب شوارع القطاع، وقف ينتظر ذلك الفارس ليقرأ كرتونته ويتجه نحو العدو الصهيوني يلقنه درسًا، لكنه لم يجد.

 

حمل (أبو كرتونة) كرتونته حزينًا مهمومًا، وقرر التوجه إلى القدس، وبعدما وصل إلى هناك وجد رجلاً عجوزًا وزوجته يجلسون إلى جوار جدار المصلى القبلي، يعبّئون الزجاجات بالماء للشباب الثائر في وجه جنود الاحتلال الصهيوني وقطعان المستوطنين. نظر إلى كرتونته تارةً وإلى العجوز وزوجته أخرى، قرر أخيرًا وبلا تردد، وقال: أعجزتُ أن أكون مثلهم؛ فأدافع عن القدس بالفعل وليس بالكلمة.. القدس لا تحتاج كرتونة ومظاهرة، وإنما تحتاج أفعالا وأوقاتا نمنحها للعمل على تحريرها.. القدس تحتاج للدم والعرق، فهي التي تمنع العدو من استمرار انتهاكها، أما المسيرات فهي ذات مفعول بسيط، ولا تؤدي الغرض المطلوب.

 

ألقى (أبو كرتونة) كرتونته ومضى يهتف في الشباب ويتقدم صفوفهم: يا شباب.. يا أبطال.. يا شجعان.. باب الأقصى من حديد، ما يفتحه إلا الشهيد.