الجمعة 02 يناير 2026 الساعة 01:48 م

مقالات وآراء

لماذا اقترن الحب بالجنس؟

حجم الخط
د.خالص جلبي

الحب أعظم من الجنس وممارسته، ولكن إحدى تجلياته جنسية. قد يكون الجنس بهيمياً بدون حب، ويصبح إنسانياً عندما يمتزج بعصارة الحب، فهذا مشعر التفريق بين ممارسة الحب عند الحيوان والإنسان. الأرانب تمارس الجنس للتكاثر، والإنسان تحكم اليوم في ضبط الإنجاب؛ فهو يمارس الجنس مستقلاً عن الإنجاب. حين اكتشف كارل جيراسي حبوب منع الحمل في الخمسينيات من القرن الفائت. (ففي التاسع من آيار مايو 1960 أجازت الولايات المتحدة الأمريكية حبوب منع الحمل، وفي 18 آب أغسطس من نفس العام سمحت ببيعها في الأسواق).

عندما تتصاعد دفعة الحب عند الإنسان لا يشعر بقمته وتحقيق هدوء النفس ما لم يمتزج بالطرف الآخر؛ فالعمل الجنسي هنا تعبير عن تجلٍّ أعظم للحب. استخدم القرآن تعبيراً لطيفاً عنه (فلما تغشاها) (وجعل بينكم مودة) (هن لباس لكم).

نبي الإسلام لم يخجل أو يتحرّج من مناقشة موضوع الجنس، واعتبره في أحد أحاديثه أمراً يؤجر عليه الإنسان عندما يمارسه في الحلال.

تفضي ثمرة العلاقة الجنسية كإحدى تجليات الحب إلى الإنجاب وحفظ النوع وتكرار الذات، في نسخة أصلية لا تقبل التزوير، من طرفي علاقة الحب، كشهادة توثيق دامغة عن عمق هذه العلاقة، تعمق العلاقة لاحقاً، بترعرع الأطفال كثمرة حب، وبناء شبكة علاقات اجتماعية. الحب إذن نماء وثروة جديدة وتجدد في الحياة، والكراهية انعزال وتقوقع وانكماش وانتحار داخلي وفناء مبرمج.

الحب يفيض من النفس بعد معالجة التشظي الداخلي، وتحقيق وحدة النفس داخلياً بتفجير حب الذات أولاً بالصلح الداخلي، من خلال رد الاعتبار للذات واحترامها والاعتراف بها.

لا يمكن أن نحب الآخرين قبل أن نحب أنفسنا. ولا يمكن أن نحترم الآخرين ما لم نحترم أنفسنا، ونعترف بذواتنا ونتأملها في ضوء جديد، بل ولادة جديدة، فالإنسان بعد الولادة الرحمية أمامها ولادات أخرى، أشار القرآن إليها عندما قال (أو من كان ميتا فأحييناه) فهذا مؤشر إلى أن النفس تقسو (فتصبح كالحجارة أو أشد قسوة) وأن النفس تمرض بمرض (فطال عليهم العمر) وتصل إلى الموت قبل الموت بانقطاع (الصيرورة) فالحياة تدفق لا يتوقف للصيرورة، ولكن قد يتعفن الإنسان فيموت قبل الموت، ويجب أن نفهم الضلال والشقاء كحالة نفسية من موت النفس في الحياة، بتعطيل منافذ الفهم كمصادر تغذية للروح، والإيمان هو تلك النشوة من الأمل المشرق والنشوة العارمة من معايشة الحياة والناس والتاريخ.

يذكر (ابن حزم) في كتابه قصة حب عجيبة عن رجل أندلسي هام بجاريته حباً، وغضب منها يوماً فباعها لآخر (لنعذر ابن حزم فهكذا كانت الأيام وقتها) ثم شعر بعظم غلطته، فحاول استردادها بكل ما يملك، ويبدو أن الفتاة كانت غير عادية مما جعلت الثاني يعشقها حتى العظم؛ فلما احتكما إلى الوالي قدمهما إلى تجربة مريعة هي إلى حافة الموت أقرب!! فالوالي كان على شرف عظيم (مرتفع) فطلب من الأول رمز حبه وصدقه في التعلق بها أن يلقي بنفسه من التلة؟ فما كان منه إلى أن رمى بنفسه من الشرف؛ فهوى مترضرضاً لكنه نفد من الهلاك بقوة الحب؟

التفت الوالي إلى الثاني وقال تفضل فألق بنفسك كما فعل صاحبك؟ فتردد فدفع بالجارية إلى الأول؛ فعادا إلى الحب والغرام أشد لهفة وأعظم حباً؟

الحب أعمى، ليس له تفسير. يقولون كيمياء، ويقولون أشياء كثيرة، ولكنه انجذاب ساحر، وقوة تعلق، ومعنى في الحياة، ونمو لا يعرف التوقف، وأحياناً يموت صاحبها كلفاً وعشقاً وهياماً بالهدف.

ولله في خلقه شؤون.