السبت 03 يناير 2026 الساعة 01:46 ص

مقالات وآراء

أموال الإعمار .. ومعاناة غزة

حجم الخط
غسان الشامي

لا زال قطاع غزة يحيا معاناة كبيرة تعجز عن وصفها الأخبار والتقارير، وما يصدر في وسائل الإعلام عن معاناة قطاع غزة شيء قليل أمام الواقع الحقيقي والمرير لهذه المعاناة وهذه الآلام التي يعيشها الناس في قطاعنا المكلوم, وفي كل عام تختلف خارطة المعاناة والألم ويشتد الحصار على هذا القطاع، أما مؤسسات المجتمع الدولي فهي تعيش حالة من العجز والصمت أمام معاناة غزة ولا يصدر عن هذه المؤسسات سوى المطالبات والوعود والمناشدات دون التحرك الحقيقي والجاد لكسر الحصار عن القطاع.

 

إن غزة اليوم تعيش أزمات كثيرة ومتفاقمة خاصة بعد صمودها لمدة 51 يومًا, وهي تُدكّ بالصواريخ والقنابل المتفجرة في كل ساعة وفي كل لحظة، إلى أن انتهت الحرب بتوقيع اتفاق التهدئة، وبدأت تتكشف المآسي والآلام الكبيرة جراء هذا العدوان الآثم؛ ولقد رصد المجتمع الدولي خلال مؤتمر إعمار غزة في القاهرة, أكثر من 5 مليارات دولار أمريكي لإعمار غزة ودعم موازنة السلطة الفلسطينية، ولكن القلق الكبير الذي يعيشه كل مواطن هو التنصل والتهرب من تنفيذ وعود الإعمار، وعدم إيصال الأموال للشعب الفلسطيني لتنفيذ مخططات الإعمار التي أعدتها الحكومة، مما يزيد الوجع ويزيد معاناة الغزيين.

 

تعيش غزة تجربة مريرة ومعاناة كبيرة مع المانحين والمؤسسات الدولية، فقد رُصدت في الماضي أموال كثيرة لإعمار غزة بعد الحرب الصهيونية الأولى على القطاع عام (2008-2009), ولكن هذه الأموال جلّها لم يصل, ولم تنفذ الوعود, وتمكنت الحكومة من خلال الجمعيات الخيرية من إعمار قرابة 70% من أضرار الحرب الأولى على القطاع، ثم واجهت غزة حربًا جديدة عام 2012, وتراكمت فاتورة الإعمار على الحكومة جراء آلاف المنازل والمباني السكنية والمؤسسات التي تعرضت للتدمير، ولم تتمكن الحكومة خلال العامين السابقين من إعمار المنازل التي تعرضت للتدمير خلال الحرب الثانية، حتى باغتت الحرب الصهيونية الثالثة قطاع غزة وأكلت الأخضر واليابس, ودمرت قرابة 40 ألف وحدة سكنية، كما استهدفت عددًا من الأبراج السكنية التي تؤوي المئات من المواطنين، وبعد انتهاء العدوان تداعى المجتمع الدولي من جديد للإعلان عن مؤتمر إعمار غزة ودعوة الدول والمانحين للمشاركة في المؤتمر، والمتابع لوقائع مؤتمر القاهرة وكلمات المتحدثين ينتابه شعور بالخوف والقلق على مستقبل إعمار غزة, والتخوف من أن تكون الأرقام والإحصائيات التي سجلها المؤتمر مجرد حبر على ورق, بعيدًا عن التنفيذ.

إن حاجة قطاع غزة لرفع الحصار بشكل نهائي وفتح كافة المعابر وضمانات دولية بعدم تكرار الاعتداءات الصهيونية, أشد وأكثر من الحاجة لأموال الإعمار التي يضع المانحون شروطًا لإيصالها إلى غزة، والمشاهد لواقع غزة يدرك المعاناة الكبيرة التي يعيشها المواطنون في القطاع، ويدرك المأساة الأكبر التي يعيشها أصحاب المنازل المدمرة، وقد شاهد وزراء حكومة الوفاق الوطني والمسؤولون, عن كثب, الدمار الكبير الذي خلفته الحرب الإسرائيلية, وتلمسوا معاناة المواطنين وصعوبة العيش في قطاع الذي يعاني من حصار كبير, واقتصاد منهك ومصانع وشركات بناء مدمرة, فضلًا عن ارتفاع معدلات الفقر والبطالة في قطاع غزة.

المواطنون في قطاع غزة لا يعولون كثيرًا على الدعم الأجنبي والغربي لإعمار غزة, ولا يثقون بالوعود الدولية لإعمار غزة، ولكن أملهم الكبير بأبناء الأمة العربية والإسلامية والحكام العرب أن يكونوا على قدر المسؤولية تجاه رفع المعاناة عن قطاع غزة, والشروع بتنفيذ مخططات الإعمار, والعمل على فتح معبر رفح بصورة دائمة, وتنفيذ قرارات الجامعة العربية بخصوص رفع الحصار عن غزة, وعمل شبكة أمان عربية لدعم إعمارها, وإيصال الأموال إلى الحكومة للمباشرة العاجلة بتنفيذ مشروعات الإعمار.

لقد وضعت الحرب أوزارها في غزة منذ شهرين، ولا زالت المعابر مغلقة والحصار يضرب أطنابه على القطاع الصامد, ويتواصل انقطاع التيار الكهربائي وتفاقم الأزمات ، كما أنه لم تصل مواد البناء ومستلزمات الإعمار التي تم الاتفاق عليها, إلى قطاع غزة.

غزة تعيش المعاناة والمرارة، ورسالتها للعالم العمل على ترجمة الأقوال إلى أفعال وتحقيق وعود الإعمار، وألا تكون هذه الوعود والأموال مجرد قرارات لا تساوي الحبر الذي كتبت به .. غزة الآن في حاجة ماسة للإسراع بتنفيذ خطط الإعمار وخطط الإيواء والإغاثة العاجلة، وتنتظر من المجتمع الدولي تحقيق وعوده ولجم العدو الصهيوني عن مواصلة عدوانه على القطاع, وإلزامه بفتح المعابر والإسراع في إدخال مواد ومستلزمات الإعمار.