إن قراءة التاريخ تقول بأن الأعداء حينما يحاربون بعضهم بعضا يستخدمون أساليب مختلفة من الحرب والعدوان، وليس شرطا أن تعتمد الحرب على المواجهة العسكرية فقط، وإن كانت تلك المواجهة أحد أساليب الحروب بين الأعداء أو الخصوم السياسيين على حد سواء.عباس
خلال شهر يوليو الماضي أطلقت (إسرائيل) شرارة عدوان وحرب جديدة استهدفت من خلالها قطاع غزة الصغير بمساحته الكبير بفعله، واتخذت الحرب التي لا تزال متواصلة حتى الآن الأشكال التالية:
المرحلة الأولى: وتمثلت في الهجمة العسكرية الصهيونية على غزة، وهي هجمة نفذتها بشكل مباشر (إسرائيل) بجيشها الأقوى كما يدعون في الشرق الأوسط، وكان الداعم للحرب العسكرية بالعتاد العسكري العديد من الأطراف تتقدمهم راعية الإرهاب الدولي “الولايات المتحدة الأمريكية”، فقد جعلت من مخازنها تحت تصرف العدو الصهيوني، بينما تكفلت العديد من العواصم الخليجية بتمويل العدوان على غزة، والهدف هو القضاء على “حماس”. بالمحصلة استهدفت قوات الاحتلال المدنيين وأوقعت إصابات خطيرة في صفوفهم ولم تترك جريمة إلا وارتكبتها على مدار واحد وخمسين يوما، لكن هذه المرحلة فشت في أيامها الأولى.
المرحلة الثانية: بعد أن تبين بما لا يدع مجالاً للشك للعدو الصهيوني بوادر فشل مرحلته الأولى من العدوان على غزة في الأيام الأولى لحملته العسكرية، كان لا بُد من التحرك نحو تنفيذ المرحلة الثانية، وقد تمثلت في الحرب السياسية، وفيها طلبت (إسرائيل) وفداً فلسطينياً للحوار في العاصمة المصرية القاهرة، وتركت المهمة لحلفائها العرب في المنطقة من أولئك الذين تتقاطع مصالحهم مع مصالحها في القضاء على “حماس” ونزعها من بين الحاضنة الشعبية التي تتمتع بها. وخلال هذه المرحلة عملت أطراف مختلفة على إفشال المفاوض الفلسطيني في الحصول على مطالب الشعب، بل وحاولت تشتيت جهود الوفد وبث روح الفتنة بين أعضائه، لكنها مرحلة فيها نجحت غزة وسقطت المرحلة الثانية من العدوان، والتي انتهت بانتهاء المرحلة الأولى.
المرحلة الثالثة: وبينما ظهر جلياً للعدو الصهيوني أن نتيجة المرحلة الثانية من العدوان على غزة ستفشل هي الأخرى، فقد كان لا بُد من الانتقال للمرحلة الثالثة، وقد تمثلت في نقل مهمة العدوان على غزة للحلفاء في السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس، فكان اللقاء السري الذي كشفت عنه وسائل الإعلام المختلفة بين “عباس” ورئيس وزراء العدو الصهيوني “بنيامين نتنياهو” في الأيام الأخيرة للحرب على غزة، وجرى اللقاء في العاصمة الأردنية عمان، وخلال الاجتماع تلقى “عباس” المهمة بثقة واقتدار، وأكد لنظيره الصهيوني أنه يمتلك قوة لا يمتلكها أحدٌ من البشر في مواجهة وقتل أبناء شعبه.
وخلال العدوان على غزة، وبعد اللقاء سابق الذكر توجه “عباس” إلى العاصمة القطرية الدوحة للقاء رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” خالد مشعل وبحضور الأمير تميم بن حمد. الشارع الفلسطيني كان يعتقد أن “عباس” كان في الدوحة لإيجاد مخارج لآلام أبناء شعبه في غزة، لكن الحقيقة أنه كان هناك لمهاجمة مشعل وحركة “حماس” والبدء بتنفيذ الخطة التي صاغها “عباس” و”نتنياهو”، وبالمناسبة فقد تناقلت وسائل الإعلام محضر اللقاء، وهو محضر فاجأ الجميع.
وبالمحصلة، فهذه المرحلة تعتمد على التشكيك بالمقاومة وبث الشائعات بحقها والتحريض عليها، ومحاولة الفصل بين المقاومة والشعب الذي احتضنها وستكون الأداة التنفيذية لها وسائل الإعلام التابعة لحركة “فتح” والقريبة منها والناطقين باسم الحركة وبعض قادتها، أما الخطوات الميدانية التي سيقوم بها “عباس” فسوف تتمثل في تأجيل الإعمار وفتح المعابر وإدخال مواد البناء، وسلسلة من الأساليب التي يعجز كالعادة الشيطان عن القيام بها.
إن هذه الخطوات التي يقوم بها “عباس” تجعل فصل الشتاء يدخل على المواطن الغزي وهو بلا سقف بيت يؤويه وأفراد عائلته، وبالتالي- فهذا ما يخططون له- يجب على الشعب شتم المقاومة ولفظها والتخلي عنها والكفر بإنجازاتها، وصولا لتراجع دعم الشعب لها بعد أن أظهر استطلاعات الرأي الفتحاوية الداخلية ارتفاع شعبية حركة “حماس” بشكل منقطع النظير خلال العدوان على غزة وبعده.
مشكلتي أنني دوما أتبرع بتوجيه النصيحة لمن يخون الشعب والقضية، لكن لا ضير، فالواضح أن الله قد ختم على قلوبهم فباتوا لا يعلمون. “عباس” ومن حوله يضيقون على الشعب ويدمرون شعبهم لرضى (إسرائيل)، لكنها لن ترضى عنهم وستلفظهم في يوم من الأيام، فقد أعلنت (إسرائيل) والأمم المتحدة الأسبوع الماضي أنهم وقعوا على خطط لإدخال مواد البناء للقطاع المحاصر، وبالتالي فإن استمر تصرف “عباس” على حاله فسوف تكون النتيجة التي يجنيها أن نسبة المؤمنين بأنه “خائن” لشعبه وقضيته سترتفع بشكل كبير، وهؤلاء يطالبون بضرورة محاسبته طال الزمان أو قصر، ولعل هذا ما يمنعه عن زيارة قطاع غزة.
أخيراً، حينما استمعت لخطاب عباس المقتضب في بداية الحرب لم أصدق- وهذا ما عبرت عنه في حينه- اللغة التي تحدث بها وغرر من خلالها الآلاف، فالحرباء تبقى كذلك وإن غيرت من لونها بحسب البيئة التي تنتقل لها، بل لم يزد تصديقي له حينما قرأ الآية الكريمة: “أذن للذين يقاتلون…”. والآن أقول: إن “عباس” فسر وفهم الآية خطأ وقالها دفاعا عن اليهود وليس أبناء شعبه، آن الأوان أن نُدرك هذه الحقيقة المُرة يا أبناء حركة “فتح”.


