رغم أن الانتصار الذي حققته حركة المقاومة الفلسطينية حماس وكتائب المقاومة فى غزة على الكيان الصهيوني فى الشهر الماضي جاء لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس على طبق من ذهب، وكان يمكن أن يستخدمه ليتوج نفسه بطلا لدى الشعب الفلسطيني ويختتم به حياته المليئة بعلامات الاستفهام والتراجعات والتصريحات المضادة للمقاومة.
وعدم إنجاز أي شيء ملموس للقضية الفلسطينية منذ تولي السلطة فى أعقاب قتل ياسر عرفات بالسم البطيء في 11 نوفمبر عام 2004 على يد الإسرائيليين والعملاء المندسين داخل أجهزة السلطة الفلسطينية، إلا أن بعض الناس لا يكتب لهم التوفيق فى الحياة أو الاستفادة من خيراتها حتى لو جاءتهم على طبق من ذهب ويبدو أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس واحد منهم فبدلا من استخدام النصر فى غزة لتحسين صورته التاريخية لدى الشعب الفلسطيني والضغط على إسرائيل في مستنقع المفاوضات الذي لم يجن من ورائه شيئا طوال السنوات الماضية أو تقدمه للصفوف بعدما قدمته حركة حماس وأشركته رغما عنه في النصر الذي لم يكن له أي دور فيه إلا أنه فاجأ الجميع بهجوم حاد على حركة حماس في اجتماع وزراء الخارجية العرب الذي عقد في القاهرة يوم الأحد الماضي 7 سبتمبر حتى أن رئيس الجلسة أوقفها وطلب من الصحفيين والضيوف أن يخرجوا من القاعة وأن يحولها إلى قاعة مغلقة.
هذا الهجوم جاء تتويجا لهجمات أخرى قام بها عباس ضد حركة حماس لم تأخذ هذا البعد الذي أخذه هجومه عليهم فى اجتماع جامعة الدول العربية، وكان واضحا كما ذكرت القناة السابعة للتليفزيون الإسرائيلي فى تقرير بثه ظهر الجمعة 12 سبتمبر أن الانتصار الذي حققته حركة حماس على إسرائيل غير موازين القوى داخل الشارع الفلسطيني ودفع عباس للهجوم على حماس خوفا من شعبيتها الجارفة التي أصبحت فى الضفة أكثر من غزة، وفي محاولة أكثر عمقا لفهم تداعيات هجوم محمود عباس على حركة حماس يحتاج الأمر إلى العودة ولو قليلا لبعض تفاصيل المشهد الفلسطيني لنتعرف من خلاله على الدوافع التي تجعل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يشعر أن انتصار حماس في حربها على غزة قد أفقده توازنه الكامل، فمنذ تولي محمود عباس السلطة في منتصف يناير من العام 2005 خلفا لياسر عرفات وهو يعيش ليلا ونهارا على قضية واحدة وهي المفاوضات مع إسرائيل، وطوال تسع سنوات وهذا الملف لم يراوح مكانه لم ينجز منه شيئا سوى جلسات الغداء والعشاء والسهرات التي يقضيها أعضاء الوفدين الفلسطيني والإسرائيلي مع بعضهما البعض ومع وصول أوباما للسلطة وعدم وجود رؤية واضحة له في سياسة أميركا الخارجية وهذا الملف لا يتحرك ومحمود عباس لا يجد شيئا يتغني به سوى المفاوضات، وإسرائيل لم تقدم له شيئا سوى المعارضة والجدل وفي الفترة الأخيرة وصل هذا الملف إلى طريق مسدود لسببين أولهما أن وزير الخارجية الأميركي المنطفيء صاحب الوجه الصخري جون كيري الذي لم يحقق أي إنجاز فى حياته المهنية في أي قضية لم يتمكن من الضغط على إسرائيل حتى بأقل القليل، والأمر الآخر هو الإنشغال الأميركي بملفات أهم مثل ملف أوكرانيا والصراع مع روسيا فى شبه جزيرة القرم، أو ملف الخروج من العراق أو الملف الجديد وهو ملف داعش، من ثم لم يعد يجد عباس أي اهتمام من الأميركان وفي نفس الوقت لم يقدم له الإسرائيليون أي شيء ولو يسير يقدمه إلى شعبه هذا الفشل الذريع في ملف المفاوضات أغضب عباس من الأميركان والإسرائيليين وبدلا من مواجهاتهم أو استخدام انتصار حماس على إسرائيل كورقة ضغط إذا به يصب جام غضبه على حركة حماس.. (نكمل غدا)
عندما تؤكد “حماس″ان قطر لم تطلب من مشعل مغادرة الدوحة اسوة بقيادة الاخوان المسلمين فهذا يعكس قلقا مبررا.. فالضغوط تتعاظم والخناق يضيق.. ولكن هل الصمود ممكن؟
عطوان
تتركز الانظار السياسية والاعلامية على الدوحة هذه الايام، ويجري رصد خطواتها من قبل جهات عديدة لان لحكومتها اصبع قوي في ملفات عديدة ابتداء من الملف السوري حيث تدعم الوية مقاتلة لاسقاط النظام (وليد المعلم وزير الخارجية اتهمها امس بدعم تنظيم النصرة) ومرورا بالحرب على “الارهاب” حيث اعلنت انضمامها للحلف الدولي لقتال “الدولة الاسلامية”)، وانتهاء بالتدخل في الصراع العسكري على السلطة في ليبيا.
المسؤولون القطريون “مولعون” في البقاء في عين العاصفة، ويتطلعون دائما الى احتلال العناوين الرئيسية للصحف ونشرات الاخبار، حتى لو كان ذلك للأسباب الخطأ، فقد صمدوا طويلا في مواجهة حملات انتقاد تعرضوا لها لعبت تغطيات “الجزيرة” دورا كبيرا في انطلاق هذه الحملات، ولكن الضغوط السياسية التي تمارس على قطر هذه الايام، ومن جهات متعددة في الشرق والغرب والشمال والجنوب، لم يعد من السهل احتمالها والصمود في وجهها بالطريقة التي كان عليها الحال في السابق.
بعد ابعاد السلطات القطرية لسبعة من ابرز قيادات الاخوان المسلمين من اراضيها، استجابة لمطالب، بل تهديدات، من جارها السعودي القوي وحلفائه في الامارات والبحرين، بدأت الانظار تتجه الى قيادة حركة “حماس″التي تتخذ من الدوحة مقرا لها، وهناك العديد من التساؤلات عما اذا كان السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس″سيكون التالي على قائمة الرحيل بعد “اصدقائه” و”حلفائه” في حركة الاخوان المسلمين.
قيادة “حماس″كانت قلقة دائما من احتمالات “ابعادها” من الدوحة سياسيا وماليا، اثر ضغوط خليجية ومصرية، لان الدولة القطرية ليست المضيفة لقيادتها السياسية الخارجية فقط، وانما الشريان المالي الوحيد لها الذي يوفر لها اسباب البقاء لها ومؤسساتها المتشعبة داخل الاراضي المحتلة وخارجها.
مصدر القلق “الحمساوي” مبرر، فقطر تظل دولة صغيرة من حيث المساحة، والضغوط تتعاظم عليها، وحلفاؤها في المنطقة العربية يتقلصون الواحد تلو الآخر، بينما شراسة الاعداء، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية ومصر والامارات، وهي دول من الوزن الثقيل تجمع المال والنفوذ وعدد السكان والعلاقات الاقليمية والدولية المتشعبة.
ولم يكن مفاجئا ان ينعكس قلق “حماس″هذا من خلال التصريحات التي ادلى بها السيد احمد يوسف احد قيادات الحركة لصحيفة “الغد” الاردنية وقال فيها “ان قطر لم تطلب من رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل مغادرة اراضيها ولا تخفيض تمثيل الحركة على ارضها على غرار القرار المتعلق بابعاد قيادات من حركة الاخوان المسلمين”، واعتبر “ان حماس مكسب واستثمارا سياسا بالنسبة الى دولة قطر التي تتمسك بعلاقاتها مع الحركة”.
المسكوت عنه في المحافل الخليجية ان “اعداء” قطر في دول الخليج لم تطالبها بابعاد حركة “حماس″بطريقة مباشرة، وتركوا هذا الامر للقيادة المصرية التي لا تميز بينها (اي حماس) وحركة الاخوان المسلمين التي جرى وضعها على قائمة “الارهاب”، ولكن الدول الخليجية والمثلث السعودي الاماراتي البحريني على وجه الخصوص، يضع “فيتو” كبير على حركة “حماس″ويرفض التعاطي معها بأي شكل من الاشكال، وطائرة السيد خالد مشعل لم تغادر الا مرة واحدة وباتجاه الكويت فقط طوال الاعوام الاربعة الماضية تقريبا.
الضغط على الدوحة لابعاد السيد خالد مشعل قد يأتي، وبشكل مباشر، من دولة الاحتلال الاسرائيلي التي وضعت خططا لاغتياله في قلب مدينة الدوحة، ثم تراجع عنها في اللحظة الاخيرة بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي خوفا من تبعاتها، فاسرائيل تعتبر الدوحة “الداعم الرئيسي لارهاب حركة حماس″وهي التي تقف خلف صمودها في قطاع غزة اثناء العدوان الاخير لما تقدمه من اموال تسهل لها شراء اسلحة ومعدات عسكرية ومواجهة الحصار المالي الخانق.
دعم حركة “حماس″في مواجهة العدوان الاسرائيلي امر مشروع ومشرف، لا شك في ذلك، ولكن الاسرائيليين الذين لا يخفون علاقاتهم القوية مع دول عربية وقفوا في خندقها في حرب “الجرف الصامد” الاخيرة على قطاع غزة، قد ينضمون وبقوة الى المعسكر الضاغط على الدوحة لابعاد قيادة حماس، وهي ضغوط لا يجب التقليل من شأنها، ولذلك من غير المستبعد ان تطلب الدوحة، بطرقها الخاصة، من السيد مشعل البحث عن مكان آخر، ولو بصورة مؤقتة حتى تمر العاصفة.
نفي السيد خالد العطية في حديثه لصحيفة “الفايننشال تايمز″ان تكون بلاده طلبت من قيادات بجماعة الاخوان المسلمين مغادرتها متوقع، ولكنه “غير مقنع″على اي حال، فنحن وغيرنا لا يمكن ان نصدق بأن هؤلاء القياديين غادروا الدوحة طوعا وهي التي وفرت لهم الملجأ الآمن ولقمة العيش الكريم لعقود.
قطر تعيش اياما صعبة، بل صعبة جدا، والعاصفة التي تواجهها هذه الايام قوية جدا، وتحتاج تعاطف ومساندة بعض حلفائها الاستراتيجيين، وهم قلة على اي حال، وهذا ما يفسر زيارة السيد رجب طيب اردوغان رئيس تركيا الجديد لعاصمتها مؤكدا من خلالها وقوفه الى جانبها، وتحمل الكثير من الاعباء الواقعة على كاهلها، واولها عبء “الاخوان المسلمين” وربما عبء حركة “حماس″ايضا، و”الصديق وقت الضيق” مثلما يقول المثل العربي الشهير.


