طالما امتلكت منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة "فتح" ماكنة إعلامية ضخمة، وناطقين إعلاميين في الداخل والخارج وفي كل محفل، ودعمًا دوليًّا منقطع النظير، ومع ذلك إن هذه الإمكانات لم تؤهلها للتفوق على حركة حماس في الانتخابات المحلية عام 2005م والانتخابات التشريعية عام 2006م، بل إن منظمة التحرير حصلت على ما دون النصف بفصائلها الكثيرة، وهذا يعني أن الشعب الفلسطيني غير مقتنع بالنهج السياسي وخيار التسوية الذي اختارته منظمة التحرير وحركة فتح، فضلًا عن الإشكالات التي وقعت فيها فتح في إدارتها للسلطة وللمفاوضات مع العدو المحتل.
تلك مقدمة لابد منها لتذكير الفصائل _وخاصة حركة فتح_ بأن الشعب لا ينظر إلى الأقوال والتصريحات بالقدر الذي ينظر فيه إلى الواقع.
عندما يخرج ناطق إعلامي لحركة فتح ليقول: "إن ذهاب حماس منفردة إلى مفاوضات مع (إسرائيل) هي خيانة وطنية" فإننا لا نتوقع أن يجفل الناس من حركة حماس أو أن ينفضوا من حولها؛ لأن الذي يتحدث لا يثق به مؤيدو حماس، هذا من جانب.
ومن جانب آخر إن الناس تعرف أن الخيانة الوطنية هي خيانة، سواء أَقْتُرِفت بشكل منفرد أم بشكل جماعي، وليس هناك عباءة سحرية تحول الخيانة إلى عمل وطني أو العكس. السادات ذهب منفردًا إلى (الكنيست) ليعترف بشرعية ما اغتصبته العصابات الصهيونية، فوصفه العرب بالخائن، ثم ما لبثت الأنظمة العربية حتى سارت في طريق السادات، واعترفت بشكل جماعي بشرعية الاحتلال عام 2002م، وقد سبقتها بعض الأنظمة العربية سرًّا وعلانية إلى ذلك الطريق.
يقولون: "إن حماس متقلبة؛ فإنها حرمت الانتخابات التشريعية عام 1996م ثم أباحتها عام 2006م، وإنها حرمت المفاوضات مع العدو على منظمة التحرير ثم أباحتها لنفسها هذا العام"، والحقيقة أنها لم تحرم الانتخابات مطلقًا، ولكنها رفضت المشاركة فيها عام 1996م؛ حتى لا تكون شريكًا في إقرار اتفاقية (أوسلو) إذ كان برلمان الـ(96) أول برلمان بعد توقيع اتفاقية (أوسلو)، ثم شاركت بها في عام 2006م ورفضت الاعتراف بما يسمى (إسرائيل) وباتفاقية (أوسلو) بإجماع نواب حماس، وعلى لسان رئيس الحكومة إسماعيل هنية.
هذا هو الواقع، وإن أصر بعض أن دخول حماس إلى التشريعي هو اعتراف باتفاقية (أوسلو)، ولو كان ذلك اعترافًا من حماس بـ"دولة" الاحتلال لما طال الحصار العربي الإسرائيلي قطاع غزة كل هذه السنين، ولما طالبت الرباعية الدولية حماس بالاعتراف بشرعية الاحتلال والاتفاقات الموقعة بينه وبين منظمة التحرير، إضافة إلى التخلي عن مقاومة الاحتلال.
حركة حماس لا تحرم ولا تحلل، ولكنها تتبنى ما يفتي به علماء الإسلام، المفاوضات مع العدو ليست محرمة شرعًا لذاتها، والمفاوضات أصلًا لا تكون إلا مع العدو، ولكن التنازل عن شبر من فلسطين حرام شرعًا، والاعتراف بشرعية الاحتلال حرام شرعًا، فإذا اختارت حماس التفاوض مع المحتل دون أن تتنازل عن الثوابت فذلك أمر مباح، أما لو اختارت التفاوض على أساس تقديم تنازلات للعدو المحتل؛ فإنها ترتكب محرمًا حتى لو تدثرت بعباءة منظمة التحرير، والجامعة العربية، والمؤتمر الإسلامي، والأمم المتحدة.

