الجمعة 13 فبراير 2026 الساعة 06:28 م

مقالات وآراء

العرب يبايعون السيسي

حجم الخط
شاكر الجوهري

فارق كبير بين الطريقة التي تلقى فيها المجتمع الدولي فوز بشار الأسد رئيسا لولاية ثالثة على سوريا، وفوز المشير عبد الفتاح السيسي برئاسة مصر.

 

ثلاثة فقط من رؤساء دول العالم، ليس من بينهم عربي واحد، هم الذين هنأوا الأسد، مقابل تمثيل عدد كبير من الدول في حفل تنصيب السيسي رئيسا للجمهورية.

 

الذين هنأوا بشار الأسد هم فقط:

 

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون، والرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.

 

حتى بكين وبيروت لم تهنئا الرئيس السوري..

 

بكين "الفيتو" الذي حمى النظام السوري حتى الآن، وبيروت التي لا تستطيع الخروج من تحت جناح هذا النظام..!

 

يتوجب هنا ملاحظة أن كلا من الأسد والسيسي حاربا، ويحاربا الإخوان المسلمين، والإسلام السياسي على وجه العموم.

 

لكن الفارق بين الرئيسين، يكمن في:

 

1.         البون الشاسع، بين أعداد الذين قتلوا في سوريا على أيدي قوات الأسد (165 ألف نسمة)، وبين الذين قتلوا في خضم مواجهات الإخوان المسلمين وجماهيرهم من جهة، وأحزاب المعارضة المصرية وجماهيرها، وكذلك برصاص قوات الأمن والجيش المصريين، في خضم عملية التحول السياسي، والتي لم تبلغ ألفي قتيل.

 

2.         الفارق الكبير بين توجهات سياسيتي الأسد والسيسي حيال إيران والعلاقة معها.

 

بلغة أكثر وضوحا، إن فوز الأسد بولاية ثالثة، يزيد فرص إيران في المضي قدما في ملفها النووي، وصولا إلى إنتاج القنبلة النووية، بما تمثله من خطر داهم على الأمن الإستراتيجي لمنطقة الخليج العربي، وإنتاج النفط؛ فيما يمثل فوز السيسي عامل تعزيز لأمن واستقرار ذات المنطقة من التهديدات التي يمثلها تحالف طهران ـ دمشق ـ حزب الله.

 

هذا الفارق بالغ الأهمية، يكمن وراء امتناع حسن روحاني، الرئيس الإيراني، عن تلبية الدعوة المصرية للمشاركة في حفل تنصيب السيسي، وتكليف رئيس مكتب رعاية المصالح الإيرانية في القاهرة السفير مجتبى أمانى القيام بهذه المهمة..!

 

نعم.. رئيس مكتب رعاية المصالح الإيرانية.. ذلك أن العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وطهران لا تزال مقطوعة.

 

إلى ذلك فإن طهران، تدرك مسبقا أن السيسي هو من سيقود المحور العربي في مواجهة محورها مع دمشق وحزب الله في قادمات الأيام.. على طريق تقليص نفوذها وإسقاط النظام السوري، نظرا للخطر الداهم الذي يمثله تحالف هذا النظام مع طهران على المصالح والأمن الإستراتيجي لدول النفط العربي.

 

يظهر ذلك من:

 

أولا: المشاركة الواسعة للدول العربية في حفل التنصيب.

 

ثانيا: الدعوة السعودية لعقد مؤتمر الدول المانحة لمصر.

 

ثالثا: الدعم الكبير الذي قدمته الدول العربية النفطية لمصر ما بعد مرسي.

 

رابعا: تصريحات محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية لقناة مصرية قبيل حفل التنصيب، التي جاء فيها:

 

1.         أن قيادة السيسي للعالم العربي ستحمي جميع حلقات النظام العربي.

 

2.         أن الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، أيد هذه النظره حين صارحه عباس بها.

 

باختصار ووضوح شديدين.. الوفود التي ذهبت إلى مصر من أجل تهنئة السيسي، والمشاركة في حفل تنصيبه، إنما هي ذهبت في ذات الآن لمبايعته زعيما للنظام العربي.

 

هل ستكون هذه القيادة تحت راية واشنطن، واسرائيل بالضرورة..؟!

 

قطعا لا..

 

لقد بات ضروريا أن نرى الحقائق كما هي، لا بعيون رغائبية.

 

وحين يكون الأمر كذلك، يجدر ملاحظة:

 

أولا: امتناع القاهرة عن دعوة الرئيس الإسرائيلي، ورئيس الوزراء الإسرائيلي للمشاركة في هذه المناسبة.

 

ثانيا: انخفاض حجم التمثيل الأميركي في حفل التنصيب.. لقد تم تكليف توماس تشانون، مستشار وزارة الخارجية الأميركية بترؤس الوفد الأميركي، ممثلا للرئيس باراك اوباما، يرافقه السفير ديفيد ثورن كبير مستشاري وزير الخارجية، وعدد من كبار مسؤولي وزارة الخزانة الأميركية.

 

ثالثا: أن الإتحاد الأوروبي قرر أن يمثل دوله سفراءها في القاهرة، في حفل التنصيب.

 

رابعا: مشاركة وفد روسي رفيع المستوى برئاسة سيرجى ناريشكين رئيس مجلس النواب.

 

خامسا: تمثيل مياو وي، وزير الصناعة وتكنولوجيا المعلومات الصيني بلاده، مبعوثاً خاصًّا للرئيس شي جين.

 

هذه المؤشرات تؤكد أن علاقات القاهرة مع موسكو باتت الآن أفضل، مما هي عليه مع كل من الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي.

 

يؤكد ذلك أيضا محمود عباس الرئيس الفلسطيني، في التصريحات التي سبقت الإشارة إليها.

 

يكشف عباس في هذه التصريحات أنه شخصيا عمل على ترطيب العلاقات بين القاهرة وواشنطن، وعواصم الإتحاد الأوروبي، وأنه عمل على اقناعها بضرورة تغيير موقفها السلبي من عملية تنحية الرئيس محمد مرسي، وأن ما حدث كان ثورة شعبية، لا انقلابا عسكريا.

 

ويخلص عباس إلى أنه نجح في ترطيب العلاقات، لكنها لم تبلغ المستوى المأمول بعد.

 

يؤكد ذلك أيضا التمويل السعودي لصفقة أسلحة روسية لمصر بقيمة ثلاثة مليارات دولار.

 

تراخي واشنطن مع النظام السوري، والملف النووي الإيراني، والتشدد الإسرائيلي حيال الحل الفلسطيني، جعل النظام العربي أقل التصاقا بالولايات المتحدة الأميركية.

 

الحقبة المصرية ـ السعودية، التي شهدها عهد أنور السادات، ومن بعده عهد حسني مبارك، تستعيد عافيتها من جديد، بمشاركة اماراتية أكثر نشاطا في هذه المرة.

 

 

 

مصر السيسي أصبحت مؤهلة لأن تكون أكثر قوة واستقلالية.. لا أدل على ذلك من دعوتها الرئيس السوداني عمر حسن البشير، للمشاركة في حفل التنصيب (أناب عنه نائبه حسن بكري لأسباب صحية)، آخذة بعين الإعتبار أن البشير لم يقم علاقات استثنائية مع نظام الرئيس مرسي، رغم اسلامية توجهات النظام السوداني.