عندما بدأ الأسرى الإداريون إضرابهم عن الطعام كان هدفهم الأساس إنهاء الاعتقال الإداري؛ وإثارة الرأي العام المحلي والدولي لقضيتهم؛ وإحداث ضغط من المؤسسات الحقوقية المحلية والدولية يجبر الاحتلال على إنهاء هذا النوع من الاعتقال الظالم الذي لا يوجد مثيل له في العالم.
بشكل تدريجي بدأ الجمهور بالتفاعل معهم، وبدأت المؤسسات ذات الصلة بحراكها التضامني، وشرعت وسائل الإعلام تتنبّه لمعاناتهم أكثر، ويوماً بعد يوم تصاعدت الفعاليات رافعة شعار المضربين "مي وملح" حتى غدا على لسان الفلسطينيين صباحاً ومساءً.
الإصرار "الإسرائيلي" على رفض مطالب الإداريين كان متوقعاً منذ اللحظة الأولى، خاصة وأن الاحتلال يستخدم هذا النوع من الاعتقال لعقاب أي فلسطيني يريد الانتقام منه لمجرد شعوره أنه يشكل خطراً عليه، أو لعجزه عن إدانته وإثبات تهم يوجهها إليه، يستخدمه في أي وقت ودون الحاجة للمحاكم، ووصل التعنت "الإسرائيلي" في بدايات الإضراب لدرجة تهديد الأسرى بتركهم حتى الموت، وبدأت سلسلة الإجراءات العقابية بحقهم تظهر يوماً بعد يوم، وتمثلت في سحب إنجازات سابقة, والتهديد بالتغذية القسرية وإصدار قوانين خاصة؛ والعزل ومنع الزيارات, وإجراءات كثيرة أراد الاحتلال منها الضغط على الأسرى لإيقاف إضرابهم، وعدم الاكتراث لحالتهم الصحية المتدهورة.
اختار الأسرى الإداريون بداية الإضراب وحددوا التوقيت المناسب لمعركة يدركون أبعادها ومخاطرها لوحدهم، وفق ظروف وحسابات تخصهم، وبناء على تقديراتهم ومصالحهم ورؤيتهم, وهم الأكثر دراية بشؤونهم الداخلية، وكان المطلوب من الخارج مساندتهم ودعمهم والوقوف إلى جانبهم حتى تحقيق أهدافهم، وقد كان لهم ذلك وإن كان التباين في المشاركة ملفتاً من وقت لآخر ومن مكان لآخر.
في ذروة الإضراب وبداية تحرك الرأي العام العالمي الذي بدأ يتحدث عن قضيتهم جاءت عملية الخليل واختفاء جنود الاحتلال الثلاثة؛ لتحدث زلزالاً كبيراً طالت ارتداداته كل مكان، بما في ذلك السجون والأسرى الذين يعيشون على أمل عملية أسر جديدة تبيض السجون، وتخرجهم من عتمة الزنازين، وهنا بدأت الأمور تتغير والأولويات تختلف، فما كان بالأمس أولوية وضرورة قد لا يصلح أن يكون كذلك اليوم، لقد كان هدف الإضراب إنهاء الاعتقال الإداري، وهدف العملية, إن كانت للمقاومة, تحرير الأسرى, علاوة على إنهاء الاعتقال الإداري، وبالتالي فإن أهم هدف للمضربين قد تحقق وتمثل في تعجيل وإثارة المقاومة لتنفيذ عملية تخلصهم من معاناة يومية وكابوس اسمه الاعتقال الإداري.
استنفرت العملية العدو, وطالت إجراءاته الأسرى داخل السجون وخاصة الإداريين المضربين، وشعر الجميع أن الاحتلال سيستفرد بهم ويزيد من قبضته عليهم ضمن خطوات مجنونة انتقامية بلا رحمة أو إنسانية أو أخلاق, امتداداً لإجراءات عقابية سابقة ازدادت مع مرور الوقت، وهو ما كان متوقعاً في ظل اختفاء الجنود ومحاولة الاحتلال إرضاء جمهوره على حساب الأسرى والمواطنين العزل.
من هنا أرى أن قرار الإداريين بتعليق الإضراب في هذه الظروف والتوقيت وفق اتفاق معين مع استخبارات السجون كان صائباً وذكياً وشجاعاً، ويعبر عن وعي كبير وثقة وبراعة تعودناها من قيادة الأسرى التي تعرف كيف تتعامل مع عدوها، وكيف تقدر الأمور ووفق أي حسابات واعتبارات، ولن يفوتها إمكانية عدم التزام الاحتلال بالاتفاق, وهو المتوقع في ظل عجزه عن إيجاد جنوده.
أحسن الإداريون اختيار وقت البداية لإضرابهم، وأحسنوا أكثر باختيار وقت تعليقه، فقد حققوا العديد من الأهداف الجزئية لإضرابهم، وتركوا الهدف الأهم والأكبر والمتمثل بإنهاء الاعتقال الإداري لصفقة قادمة فيما لو صحت نسبة العملية للمقاومة الفلسطينية، وقد تمكنوا خلال شهرين من إثارة المقاومة وتحفيزها وتحريك الرأي المحلي والشعبي والتفاعل الإعلامي ولفت الانتباه أكثر لقضيتهم، والأهم تبني مؤسسات حقوقية دولية لأول مرة مواقف جديدة تطالب بإنهاء الاعتقال الإداري، إضافة إلى فضح جرائم الاحتلال بحق الأسرى الإداريين، مع التأكيد على مركزية هذه القضية وأهميتها.


