إن المتابع لمشهد الإضراب الذي يخوضه الأسرى الإداريون، ومن تضامن معهم من شرائح الأسرى منذ 48 يومًا متواصلة يدرك مدى الخطورة الحقيقية التي تحدق بهؤلاء الأسرى، الذين يخوضون إضرابًّا سياسيًّا هذه المرة يختلف عن كل المرات السابقة، وهذا كان يستدعى من السلطة الفلسطينية التحرك على عجل، واستخدام كل أدواتها القانونية والإعلامية لمساندة الأسرى، والتقليل من عُمر هذا الإضراب، والمساهمة الفاعلة في مساعدة الأسرى على تحقيق مطالبهم العادلة.
والمراقب جيدًا يدرك تمامًا أن السلطة في رام الله لم تقم بهذا الدور، مع الجهود الميدانية التي يبذلها وزير الأسرى السابق "عيسى قراقع" بالمشاركة في الفعاليات المختلفة للتضامن مع الأسرى، وأكاد أجزم أنها لا تمثل السلطة بقدر ما تمثل الوزير شخصيًّا، نوعًا من الالتزام بواجباته التي يفرضها عليه كونه وزيرًا للأسرى، أو وفاء لزملاء القيد، والدليل على ذلك هو ملاحقة الأجهزة الرسمية للسلطة الناشطين والمتضامنين مع الأسرى، واعتقال بعضهم، وتحذير آخرين من التوجه إلى خيام الاعتصام وتحشيد الشارع الفلسطيني، وقيادة السلطة تعلم بالأمر تمامًا، وقد تداولته بعض وسائل الإعلام، مع تأكيد قلة حيلة الوزير قراقع وعدم استطاعته منع تلك الممارسات، إذ تدخل مشكورًا أكثر من مرة، لكن لم يتجاوب معه أحد.
ولو أردنا استيضاح أسباب هذا التخاذل فلابد من الإجابة عن سؤالين هامين، الأول هو: هل السلطة تحاول الحفاظ على شعرة معاوية في علاقتها مع الاحتلال ولا تريد قطعها باستعدائه بالتوجه إلى مؤسسات الأمم المتحدة؟، والسؤال الثاني والأخطر: هل السلطة مستفيدة من سياسة الاعتقال الإداري التي يمارسها الاحتلال؟
إجابة السؤال الأول واضحة في تصريحات أبي مازن، ومغازلته المستمرة للاحتلال، التي تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن السلطة متهالكة للعودة إلى طاولة المفاوضات، ولكنها تريد بعض المكاسب التي تحفظ بها ماء وجهها أمام الشعب الفلسطيني الرافض أغلبه تلك المفاوضات، وهذا يتطلب منها عدم اتخاذ أي إجراء من شأنه أن يثير الاحتلال ضدها، أو يُصعب عودتها إلى المفاوضات، لذلك هي لن تلجأ إلى رفع دعاوى على الاحتلال أو طلب رسمي بعقد جلسة للأمم المتحدة لبحث موضوع الأسرى، بل ترسل إشارات إيجابية للاحتلال باعتقال واستدعاء المتضامنين مع الأسرى، والاعتداء عليهم.
أما فيما يتعلق بالسؤال الثاني فنتيجة موقف السلطة السلبي؛ قد يتطرف بعض باتهامها بأنها غير معنية بانتهاء سياسة الاعتقال الإداري، بل مستفيدة من استمرارها، وليس في مصلحتها أن تتوقف؛ لأن الاعتقال الإداري يريحها من العديد من جبهات المعارضين لسياستها، كذلك يريحها من نواب المجلس التشريعي المحسوبين على كتلة التغيير والإصلاح، الذين لهم تأثير واضح في الشارع الضفي، فمن اعتقل منهم فهو مُغيب بالفعل، ومن هو بالخارج يُؤثر الصمت حتى لا يُنحر بسيف الاعتقال الإداري، أما ناشطو الكتل الإسلامية المعارضون في الجامعات فهم كذلك تطولهم رماح الاعتقال الإداري، وكل من يفكر بإعادة ترتيب بعض أركان التنظيمات الإسلامية لاشك أن الاعتقال الإداري سيُغيَّبه، إذًا الاعتقال الإداري هو ذراع السلطة الضاربة لمعارضيها، لكن بيد الاحتلال، سواء أكان غير مباشر، أم مباشرًا عبر التنسيق الأمني الذي عده أبو مازن "مقدسًا"، وما يدعم هذا التوجه أن 97% من الأسرى الإداريين هم من أبناء حماس والجهاد الإسلامي.
وقد يدعي الأكثر تطرفًا أن السلطة في رام الله بعد إتمام المصالحة بحاجة أكثر لسيف الاعتقال الإداري؛ ليظل مسلطًا على رقبة كل من يعتقد بأن المصالحة ستهيئ الأجواء، وتسمح بإعادة ترميم تنظيم حماس أو الجهاد للعمل مرة أخرى في الضفة الغربية، أو العمل ضد سياسات الاستيطان والتهويد والجدار، أو معارضة عملية المفاوضات مع الاحتلال، التي ستستأنف مباشرة بعد أن يحصل أبو مازن على الشرعية التي يريد من وراء المصالحة والانتخابات، فهؤلاء سيجدون دوريات الاحتلال على أبواب منازلهم بعد منتصف الليلة نفسها التي يفكرون فيها بذلك، بدلًا من دوريات "الأمن الوقائي والمخابرات" التي ستتراجع اعتقالاتها نوعًا ما بعد تطبيق المصالحة، وسيجد هؤلاء أنفسهم رهن الاعتقال الإداري المتجدد إلى ما لا نهاية.
هذا يصل بنا إلى نتيجة مفادها أن الاعتقال الإداري هو مصلحة للسلطة الفلسطينية كما هو مصلحة للاحتلال، لذلك هي لا تريد التدخل بفاعلية لإنجاح إضراب الإداريين وإنهاء تلك السياسة الإجرامية بحق أبناء شعبنا، بل تقوم بإضعاف فعاليات التضامن معهم؛ حتى لا تحقق أهدافها.
وأخيرًا أزعم أن الإجابة عن السؤال الأول قد تكون من بنات أفكاري، أما الإجابة عن السؤال الثاني فهي مجرد استطلاع لآراء بعض المتطرفين، الذين أتمنى ألا تكون آراؤهم متشائمة بعيدة عن الصواب.
وأختم حديثي بدعوة الأسرى الأبطال إلى الاعتماد على أنفسهم، وقلع شوكهم بأيديهم وبأمعائهم الخاوية؛ لأنهم لن يجدوا نصيرًا حقيقيًّا خارج القضبان، ما عدا بعض الفعاليات الخجولة التي لا يشارك بها سوى ذويهم، والقليل من المهتمين، والتصريحات التي يحتاج أصحابها إلى الظهور على وسائل الإعلام للتسويق لأنفسهم، وبعض الشعارات التي تمكن أصحابها من اعتلاء موجة الأسرى للوصول إلى أهداف معينة.


