الأطباء يأخذون رواتبهم من آلام الناس، والمحامون من تعاسات القوم وخلافاتهم يتمنون أن يقلدوا أطباء الجلدية. يبقى المريض مراجعاً. يبقى المريض يتناول العلاج. يبقى المريض لا يشفى. أبو حسام أعطاني عن البناء 4 قواعد أكررها في غير مشكلات البناء. كان يكرر ليس البناء إلا تعكير النفوس وإهدار الفلوس ومعاشرة التيوس والوقوف في الشموس. عفواً من التعبير.
كنت أسمع في حلب حين كنت أتدرب دعوات بعض الأطباء أن تكثر: عسرات الولادات وحالات البطن الحادة، والكسور والنزوف، حتى يتدربوا بزعمهم.
أحيانا يعملون ما يسمّى التدريب (درل Drill) مثل تدريبات الجيش على الجاهزية. كنت أتعجب من هذه الأدعية العدوانية، ولكنها في الحقيقة توضيح لحقيقة أن الأطباء يتدربون في مثل هذه الأوساط.
قلت في نفسي عجيب أمر الحرف والمهن. المحامون يتغذون من تعاسات الناس وخلافاتهم. الزواج في أمريكا وكندا سهل، ولكن الطلاق محرقة ومذبحة يعني دخول المحاكم وثقب الجيب بأرقام لا يعرف صاحبها أين تنتهي. لذا فضل القوم عدم الزواج والاكتفاء بالخليلات والسفاح.
في ألمانيا صديقي أوغلو التركي كان عنده صديقة ألمانية. وزميلي اللبناني في العمل في مشفى (باينه) حبلت منه طفلة فبدأوا يفكرون في عقد الزواج. أحياناً كثيرة يبقى الطفل على اسم أمه سفاحاً دون أن يعرف الأب. وحالياً هناك موضة المني وحقن الرحم به دون معرفة من يكون الأب.
الأطباء يربحون من مصائب القوم البدنية وأحياناً النفسية. صديق لي مغربي يبتلع كثيراً من الحبوب. لقد أدخلوا في روعه أنه مصاب بالوسواس القهري. أحياناً أظن أن بعض أطباء النفسية يحتاجون للعلاج لكثرة مخالطة المهوسين ومعالجة المجانين. المحامون يعيشون من تعاسات القوم. حفاروا القبور من نقل الجثث ودفنها. نحاتوا الشواهد من كثرة الأموات. وهكذا فكل مهنة لها جوانب مضيئة وجوانب مظلمة. مثل سطح القمر، وأحدنا يعيش بين يوم وآخر ليس بنفس الوتيرة، ويبقى الكاتب من يكتب تحريراً للعقول من الظلامات، ولكن مشكلة الكاتب في العالم العربي أن الكتابة لا تعطيه رزقه بكرامة؛ فإما اشتغل لصاحب مال ونفوذ فكتب ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين فيبقى أقرب للعبودية في كتاباته، لذا كان معظم المبدعين ليسوا من الكتّاب المأجورين. كتب لي رجل في يوم أن أدله على منبر يترزق من خلفه؟ قلت له إن كنت تريد الكتابة لتعيش فالأفضل أن تتسول على أبواب المساجد. وأنا شخصياً أكتب وأعرف أن أماني ورزقي ليس من الكتابة، وهناك من المنابر ما كتبنا فيها الأشهر الطويلة فلم ينلنا منها شيء ولو كان قليلاً، لذا على من يكتب أن يوطن نفسه أن الكتابة أرض مملوءة بالألغام والمتفجرات قد تنفجر على الكاتب يوماً فتكلفه ما يندم عليه.
كتبت في يوم في جريدة لحوالي العام حتى جاءت مقابلة صرحت فيها ببعض من آرائي فكلفني أن أطير منها ولم تكن الوحيدة.
