الجمعة 02 يناير 2026 الساعة 01:57 م

مقالات وآراء

الجيوبوليتيك في عصر ابن بطوطة

حجم الخط
د.خالص جلبي

علم الجغرافيا اثنان: تشريح وموقع. معنى هذا أننا قد نعرف أن أستراليا قارة، ولكن موقع دانزيك فجّر حرباً كونية. ونعرف أن اليابان جزر، ولكن موقع مصر حرضت الشهية عند نابليون أن يغزو مصر. لذا فهناك علم جديد في الجغرافيا هو الجغرافيا وعلاقتها بالسياسة. وهو أمر تنبه له الناس منذ أيام ابن بطوطة في رحلاته، فقد كانت القوة السياسية في مصر وسوريا بيد (المماليك البرجية) التي جاءت بعد المماليك البحرية (حكم فيها 6 قتل منهم 2 وخلع 3!) وامتدت من حكم قلاوون الألفي من عام 1279 ميلادي وانتهت بعد 21 حاكماً بحكم المماليك الشراكسة عام 1382 (الذي انتهى بدوره بعد حوالي 130 سنة بمقتل قنصوة الغوري في معركة مرج دابق أمام العثمانيين عام 1516 م) أي أن قرناً واحداً من حكم مصر (المماليك البرجية) شهد انقلاباً كل 5 سنوات، قتل منهم5 وخلع منهم 11 وعاصر هذه الفترة التي لا تحسد عليها مصر ابن بطوطة، فعاصر الملك الناصر الذي خلع مرتين، في حين أنه فوجئ بروح جديدة في الأناضول بنظام (الإخوة) الذين كانوا يتنافسون على ضيافته، وبذلك ارتاح دفعة واحدة عند الأتراك، فما كان أمامه سوى أن يتوجه من مدينة إلى أخرى في ضيافة أولئك الإخوة الجدد الذين سيرفعون علم الدولة العثمانية فوق أوروبا لمدة 5 قرون.

 

وفي بورصة اجتمع بالسلطان العثماني (أورخان) الذي نجح إستراتيجيا في اختراق الضفة الأوروبية للمرة الأولى عند مضيق الدردنيل، التي عبرها الملك الفارسي (كزركسيس) في القرن الـ 5 قبل الميلاد، لاجتياح بلاد اليونان، التي توصل بين البحر المتوسط وبحر مرمرة الذي ينفتح ليضيق مرة أخرى فيتصل بالبحر الأسود عند عتبة البوسفور، فبنى أورخان مركزه في أوروبا (أدرنا) استعداداً لاجتياح القسطنطينية فيما بعد، ولكن المؤشرات التي رآها ابن بطوطة لم تكن توحي بأن الدولة العثمانية سوف تصبح شجرة عظيمة تصمد إلى 5 قرون، ومن هناك تابع طريقه إلى المناطق الباردة.

 

وبين عامي 1330 و1333 م اخترق الأناضول وآسيا إلى الهند في دهلي حيث استقر فيها يمارس القضاء حتى عام 1341 م، حينما كلفه الملك الهندي بمهمة إلى ملك الصين (بدأت بكارثة حيث غرق كل شيء).

 

وكما وصف ابن بطوطة الحر في رحلاته والحمّى التي كان يضطر فيها أحياناً إلى ربط نفسه على ظهر الجمل كي لا يسقط، فإنه وصف البرد عندما دخل منطقة الفولغا فقال: (وكنت ألبس 3 فروات وسروالين أحدهما مبطن، وفي رجلي خف من صوف، وفوقه خف مبطن بثوب كتان، وفوقه خف من البرغالي وهو جلد الفرس مبطن بجلد ذئب، وكنت أتوضأ بالماء الحار بمقربة من النار؛ فما تقطر من الماء قطرة إلا جمدت لحينها، وإذا غسلت وجهي يصل الماء إلى لحيتي فيجمد؛ فأحركها فيسقط منه شبه الثلج، والماء الذي ينزل من الأنف يجمد على الشارب، وكنت لا أستطيع الركوب لكثرة ما علي من الثياب حتى يركبني أصحابي).

 

ويبقى أمامنا السؤال كيف لم ينتبه ابن بطوطة إلى أوروبا لزيارتها والتعرف على معالمها السياحية آنذاك، ولكن استعراض الوضع الحضاري لأوروبا في ذلك الوقت يجعلنا نشارك ابن بطوطة في أن لاشيء يرى ويزار في بلاد الظلام هذه!

 

قال موضحاً: (وكنت أردت الدخول إلى أرض الظلمة والدخول إليها من بلغار وبينهما 40 يوماً ثم أضربت عن ذلك لعظم المؤونة فيه وقلة الجدوى) فسبحان مغيّر الأحوال أين ميركل وهولند يسمعان؟