أقدر شعور من راسلني لماذا أستخدم القرآن بطريقة خاصة في مقالاتي. وفي يوم قرأت عن مصطفى صادق الرافعي أنه كان لا يكتب مقالة قبل أن يقرأ ما تيسر من القرآن. وابن خلدون استفدت منه ثلاث فوائد جمة:
ـ أنه مزج الإيمان بقوانين علم الاجتماع.
ـ والثاني أنه رسخ المنهج الاستقرائي في دراسة الأشياء كما هي في الواقع وليس كما يجب أن تكون وفق تصوراتنا أن نفترض مدينة أفلاطون أو الفارابي المثالية.
وهذه حكمة كبيرة حلت عندي إشكالاً كبيراً في مواجهة ظلمات من الواقع السياسي أو الاجتماعي؛ فنحن يجب أن نتعامل مع الواقع وفق قوانين عمله، وليس افتراض أشياء من عندنا، يجب أن يتشكل الواقع بموجبها. لذا كان التفكير بهذا الاتجاه حكيماً وعملياً واقتصادياً.
ـ والفائدة الثالثة استخدامه آيات القرآن في نهاية كل فصل يختتمه ولم تكن كشوفاته في علم الاجتماع من الطابع الاسترسالي الإنشائي الطويل.
وفي يوم قالت لي زوجتي رحمها الله وكانت تشاركني الفكر خطوة خطوة إن طريقة كتابة ابن خلدون ثقيلة ومزعجة؟ فقلت لها يجب أن تضعي في الحساب الزمن الذي عاش فيه، ولذا جاء في كلامه الكثير من السجع.
ويومها كان يعتبر عين البلاغة، وهو مصيبة في توقف الفكر، وجفاف مفاصل اللغة، وتيبس حلقها.
والمهم فلكل طريقته في استعمال القرآن. والناس في ذلك ثلاثة مذاهب: منهم المتحوط الذي يستخدمه في أضيق الحدود، خوفاً من تعليقات المتشددين وبحثهم عن جملة يصطادونه فيها.
يروى عن عيسى بن مريم أن الكتبة والفريسيين كانوا خصومه، وهما جماعة الحرفيين المتشددين، وعيون السلطة الرومانية والمتحذلقين.
والثاني من يحاول أن يسرد الآيات على طريقة دسامة الطعام فكلما زادت الآيات كان أفضل. أي اعتماد الكم.
وهناك طرق أخرى وأنا أميل لها وهي توظيف النص القرآني وباختصار حيث يأتي مكانه. ولذلك يتعجب البعض من هذه الطريقة، ولا يستطيع أن يفهم كيف أنني بعد بحث في الكوسمولوجيا أي علم الفلك أو علم الإنسان الأنثروبولوجيا أو الفيزياء الذرية أختم مقالتي بآية أو قسم منها.
يروي مالك بن بني عن حسن البنا أنه كان يستخدم الآية القرآنية ليس على أنها وثيقة باردة أو قانون محرر بل كان يوحيها إلى الضمائر فيزلزل كيانها ويكهرب إرادة الجموع، ويحرك الجماهير النائمة للاستيقاظ والعمل، وليس الغرق في جدل لاهوتي لا نهاية له لا يقترب من الحل إلا بعداً. والله يعلم وأنتم لا تعلمون.
